مقدمة: ما وراء الشعارات
لا يختلف اثنان ولا يتناطح عنزان على أن منطقة الشرق الأوسط تعيش على وقع خلاف عميق وممتد بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران وأذرعها المليشياوية في المنطقة من جهة أخرى. بيد أن السؤال الأهم والجدير بالبحث لا يتعلق بوجود هذا الخلاف، بل بحقيقة أسبابه وجذوره العميقة.
وحين نزيح الستار عن الشعارات الأيديولوجية والخطابات الرنانة التي تُغلف هذا الصراع وتعيق الرؤية الواضحة، ينكشف المشهد عن جوهر عارٍ: إنه صراع مصالح ومعركة هيمنة ونفوذ على جغرافيا المنطقة وثرواتها وقرارها الاستراتيجي، بين مشروع إقليمي توسعي تمثله طهران والقوى التابعة لها، وبين مشروع غربي صهيوني يتخذ من إسرائيل وكيلاً حيوياً لحفظ المصالح وتأمين النفوذ الاستكباري.
تقاطع المصالح: بين التناقض الأيديولوجي والتحالف الوظيفي
برغم التصريحات المتشنجة وخطاب الموت لأمريكا، كشف التاريخ القريب عن براغماتية حادة تحكم العلاقات بين واشنطن وطهران. يتبدى ذلك بوضوح في تصريح الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني حين أشار إلى أن إيران هي الدولة الوحيدة القادرة على دحر ما أسماه "الإرهاب".
وتؤكد الشواهد التاريخية لأحداث ما بعد 11 سبتمبر 2001 هذه الحقيقة؛ فبالرغم من إدراج الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش لإيران ضمن "محور الشر" إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تتوانَ عن الاستعانة بالدور الإيراني عند غزوها لكل من أفغانستان والعراق.
عملت واشنطن بشكل مباشر على دمج المكونات الموالية لطهران في هندسة السلطة الجديدة بكابل، وقدمت العراق لطهران على طبق من ذهب عبر تفكيك مؤسسات الدولة العراقية وإفراغ الساحة للسيطرة الإيرانية. هذا التناقض الظاهري بين الخطاب السياسي والتطبيق الميداني يثبت أن تقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية هو البوصلة الحقيقية التي تحكم السلوك الأمريكي تجاه إيران، مهما بلغت درجة التوتر الظاهري.
الاستهداف الوجودي لدول الخليج وسياسة "الفزاعة"
جاء هذا الدلال الأمريكي الممنوح لنفوذ طهران على حساب شبكة التحالفات التقليدية للواشنطن مع دول الخليج العربي. ولعل المخاوف الخليجية من مشروع "تصدير الثورة" الإيراني—الذي وضع لبناته الأولى الخميني عقب عام 1979 وكان المبرر الأساسي لتأسيس مجلس التعاون الخليجي—لم تكن مجرد أوهام سياسية، بل كانت قراءة دقيقة لشواهد ميدانية وأمنية أثبتت الأيام صحتها.
إن الموقف الأمريكي المتردد والمائع في كبح جماح الحرس الثوري الإيراني، ومحاربة مليشياته بأسلوب "إدارة الأزمة" لا "حسمها"، أنشأ لدى القيادة الإيرانية حالة من الغرور السياسي والصلف الاستراتيجي. هذا الغرور يُوظَّف بوضوح لممارسة الترهيب والتنمر على دول الخليج والحيّز العربي.
ولعل القراءة المتأنية للسياسة الأمريكية توضح أن واشنطن ليست في معرض الذهاب نحو إسقاط كامل وشامل للنظام الإيراني؛ بل هي حريصة كل الحرص على بقاء طهران في موقع "الفزاعة الإقليمية". يُستخدم هذا التهديد القائم باستمرار لـ:
استنزاف المقدرات المالية والثروات العربية عبر صفقات السلاح الهائلة ومُعدات الدفاع المتطورة.
فرض الشروط السياسية والمساومات التي لا تتوقف على الدول العربية، لا سيما ما يتعلق بملفات السيادة والموقف من قضية العرب الأولى: القضية الفلسطينية.
التحالف الثلاثي (السعودية - باكستان - تركيا): ضرورة استراتيجية للردع
في ظل هذه التوازنات المقلقة والارتهان للتقلبات الغربية، تتجلى أهمية التحرك الدفاعي الجديد في اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، باعتبارها خطوة نوعية نحو بناء إطار إقليمي للردع الجماعي وإعادة صياغة معادلات الأمن في المنطقة. ورغم أن هذه الخطوة جاءت بعد عقود من التحولات، إلا أنها تمثل ضرورة جيوسياسية في الاتجاه الصحيح لإعادة خلق توازن القوة في المنطقة.
ولكي يحقق هذا التحالف أهدافه ولا يقع في فخاخ التجارب السابقة، ينبغي الحرص على المبادئ التالية:
عدم الانخداع بالغطاء الأمريكي: يجب إدراك أن الإدارات الأمريكية متعاقبة المبادئ وتتحرك وفق مصالحها النفعية المجردة، وأن الحماية الفعالة تأتي من الذات وبناء أدوات ردع مستقلة.
الصدق والوفاء بالعهود: بناء التحالف على أساس التزامات دفاعية وصناعية وأمنية حقيقية ومصممة للبقاء، بعيداً عن التفاهمات الهشة.
الترفع عن الخلافات الجانبية: تجاوز التباينات السياسية الثانوية، مع احترام خصوصية كل دولة ومواقفها السياسية ما دامت لا تمس جوهر الأمن القومي الموحد للتحالف.
التكامل بين المقومات: دمج الثقل المالي والمكانة الروحية (السعودية)، مع القوة النووية والعسكرية (باكستان)، مع الصناعات الدفاعية والخبرة الجيوسياسية (تركيا).
خاتمة: نحو استقلال القرار الإقليمي
لقد استقبل الشارع العربي والإسلامي أنباء هذا التقارب بمشاعر عارمة من الأمل والتطلع إلى مستقبل يتجاوز حالة "عدم اليقين" والوهن التي طالت المنطقة لعقود. إن بناء قوة إقليمية ذاتية وقادرة هو السبيل الوحيد لحماية الأمة من الوقوع في فكّي الملاقط: فخ التبعية والهيمنة الإيرانية من جهة، ومخاطر التمدد والصلف الصهيوني على حساب جغرافيا وثروات المنطقة من جهة أخرى.
إن المرحلة التاريخية الراهنة تتطلب إرادة صلبة ورؤية نفّاذة تجعل من هذا التحالف نواة لردع استراتيجي يحفظ كرامة المنطقة، ويسترد قرارها الاستقلالي، ويضمن أمن شعوبها واستقرار مقدراتها.