منذ عقود من الزمن وعدن تدفع ثمن الصراعات السياسية والعسكرية التي لا تنتهي.
مدينة كانت عاصمة حقيقية تمتلك مؤسساتها ومرافقها وبنيتها التحتية وكوادرها وخبراتها حتى أصبحت اليوم تعاني من تراجع الخدمات وتدهور الكهرباء وتردي الأوضاع المعيشية وسط صراع سياسي لا يبدو أن له نهاية.
بعد حرب 1994م دخلت عدن مرحلة جديدة من التهميش والإقصاء فقد فقدت كثير من المؤسسات والمرافق الحكومية دورها وتعرضت قطاعات واسعة من الموظفين والكوادر للإبعاد والتهميش بينما جرى التعامل مع الدولة ومؤسساتها بمنطق الغلبة والولاء السياسي بدلا من الكفاءة والشراكة الوطنية.
ثم جاءت حرب 2015م لتفتح صفحة قاسية من المعاناة.
كان المواطن في عدن يأمل أن تكون نهاية الحرب بداية لبناء مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات واستعادة الحياة الطبيعية لكن السنوات التالية حملت معها أزمات متتالية في الكهرباء والمياه والرواتب والخدمات الأساسية.
وفي مراحل سيطرة المجلس الانتقالي على المشهد في عدن شهدت المدينة احتجاجات ومطالبات شعبية بتحسين الخدمات وكان التعامل مع بعض تلك الاحتجاجات قائما على المنع والقمع بدل الاستماع إلى مطالب الناس وتوفير الخدمات وهذه حقيقة لا ينكرها احد.
واليوم بعد مغادرة الانتقالي المشهد تتكرر الصورة نفسها بس بطريقة مختلفة
فالسلطة او الشرعية التي يفترض أن تكون مسئولة عن توفير الخدمات تواجه احتجاجات المواطنين المطالبين بحقوقهم وتتعامل معها أحيانا بمنطق المنع والقمع بدل معالجة أسباب الغضب الشعبي.
وهنا تكمن المفارقة الكبيرة.
بالأمس كان الانتقالي يواجه الاحتجاجات المطالبة بالخدمات واليوم أصبح الانتقالي نفسه يطالب بتوفير الخدمات وهكذا كانت ومازالت عدن في صراعات لا تتوقف
بالأمس كانت القوى الموجودة في السلطة تبرر عجزها بظروف الحرب واليوم تتكرر المبررات نفسها مع استمرار معاناة المواطن.
أما المواطن فلا يعنيه من يحكم بقدر ما يعنيه أن يجد الكهرباء والماء والراتب والشارع الآمن والمؤسسة التي تعمل والدولة التي تحترم حقوقه.
عدن ياجماعة.. ليست ملكا لحزب ولا لمجلس ولا لحكومة ولا لجماعة سياسية.
عدن مدينة لأهلها.
من المؤسف أن تتحول مدينة بحجم عدن وتاريخها ومكانتها إلى ساحة مفتوحة للصراع السياسي وأن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في كل معركة.
صحيح أن اليمن أصبح جزءا من صراع إقليمي ودولي معقد وأن هناك قوى دولية وإقليمية لها مصالحها وحساباتها في اليمن وفي عدن على وجه الخصوص لكن الأخطر من ذلك أن تجد هذه القوى من الداخل من ينفذ أجنداتها أو يوظف حالة الانقسام لمصالحه الشخصية والسياسية.
فاذن المشكلة ليست فقط في الخارج.
المشكلة في الداخل عندما يتحول المسئول إلى صاحب مصلحة بدل أن يكون خادما للمواطن وعندما يصبح المنصب وسيلة للنفوذ والثروة بدل أن يكون مسئولية لخدمة الناس.
ولهذا فإن الحديث عن المؤامرات الخارجية وحده لا يكفي.
فأي مؤامرة خارجية لا تستطيع النجاح دون بيئة داخلية تساعدها على ذلك.
والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم وبصوت واضح هو:
إلى متى ستبقى عدن ساحة للصراعات؟
وإلى متى سيبقى المواطن يدفع ثمن صراع القوى السياسية؟
وإلى متى ستظل الكهرباء والخدمات والرواتب والحقوق اوراق وأدوات في المعارك السياسية؟
نعم...الجنوب تعرض لظلم واضح في ظل الوحدة وهذه حقيقة تؤكدها ايضا النخب السياسية في الشمال قبل الجنوبيين لكن العالم لايريد ان يقف مع الجنوبيين في حقهم مع ان هناك من يريد الانفصال وهناك من يتمسك بالوحدة وهناك من يتحدث عن استعادة الدولة وهناك من يريد مشروعًا سياسيًا مختلفت لكن المواطن البسيط يريد شيئًا أبسط من كل هذه الشعارات.
يريد أن يعيش بكرامة.
يريد دولة تحميه.
يريد كهرباء وخدمات.
يريد راتبا منتظما.
يريد الأمن والاستقرار.
ويريد أن يعرف إلى أين تتجه بلاده.
اسف والله أن تتحول عدن إلى ورقة تفاوض بين القوى السياسية أو إلى ساحة لتصفية الحسابات.
كما أن من الخطأ الاعتقاد أن استمرار الفوضى سيخدم مستقبل عدن وازدهارها.
فالفوضى لا تبني دولة والانقسام لا يصنع مستقبلًا والاحتجاجات وحدها لا توفر الكهرباء والقمع لا يلغي أسباب الغضب.
الحل يبدأ عندما يدرك الجميع أن عدن أكبر من كل القوى السياسية وأن اليمن أكبر من كل المشاريع الضيقة.
نحتاج إلى دولة لا إلى سلطات متعددة.
نحتاج إلى مؤسسات لا إلى مراكز نفوذ.
ونحتاج إلى قانون يحمي المحتج السلمي ويحمي المرفق العام في الوقت نفسه.
ونحتاج إلى مسئول يدرك أن كرسي السلطة ليس امتيازا شخصيا وإنما أمانة أمام شعب يعاني.
عدن تستحق أكثر من أن تكون ساحة للصراع.
وتستحق أكثر من أن تكون ورقة في حسابات السياسيين.
عدن تستحق أن تعود مدينة للحياة والعمل والبناء والاستقرار.
أما المواطن فقد دفع ثمن الحروب والانقسامات بما يكفي.
آن الأوان أن تتوقف القوى السياسية عن استخدام معاناته وقودا لصراعاتها وأن يبدأ الجميع بالنظر إلى المستقبل بدل البقاء أسرى للماضي.
عدن لا تحتاج مزيدا من الصراعات.
عدن تحتاج دولة.. ولا تحتاج مزيدا من الفوضى.
نحتاج إلى السلام والاستقرار وبناء مؤسسات حقيقية تحفظ كرامة المواطن وتصون مستقبله.