يفتح الاتفاق الثلاثي الذي جرى توقيعه في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان بابًا واسعًا لقراءة التحولات التي تشهدها المنطقة، ليس باعتباره مجرد تفاهم في المجال الدفاعي، وإنما باعتباره مؤشرًا على إعادة ترتيب بعض الحسابات الأمنية والاستراتيجية، ومثل هذه التحولات لا تبقى عادة محصورة في حدود الدول الموقعة عليها، بل يمكن أن تنعكس على ملفات إقليمية متعددة، وفي مقدمتها اليمن الذي ما يزال يعيش تداعيات حرب طويلة استنزفت الدولة والمجتمع والاقتصاد.
ومن هذه الزاوية، تبدو إمكانية إعادة تحريك خارطة الطريق اليمنية واحدة من السيناريوهات التي تستحق التوقف عندها، خصوصًا أن المسار السياسي ظل لفترة طويلة أسيرًا لتعقيدات الحرب وتبدل الأولويات الإقليمية، فالتغير في طبيعة العلاقات والتحالفات قد يمنح الأطراف الفاعلة مساحة جديدة لإعادة تقييم كلفة استمرار الصراع، والانتقال تدريجيًا من إدارة الحرب وتداعياتها إلى البحث الجاد عن تسوية قابلة للحياة، لا تكتفي بوقف إطلاق النار وإنما تعالج جذور الأزمة.
لكن إحياء خارطة الطريق لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة للنصوص السابقة أو العودة إلى الترتيبات نفسها دون مراجعة، فالسنوات الماضية أثبتت أن أي اتفاق سياسي يفتقر إلى ضمانات تنفيذية واضحة يمكن أن يتحول إلى مرحلة مؤقتة يستفيد منها أحد الأطراف لإعادة ترتيب أوراقه ثم تعطيل بقية الاستحقاقات، ولذلك فإن أي مسار جديد يحتاج إلى مراحل محددة ومترابطة، تبدأ بوقف الحرب ومعالجة الملف الاقتصادي، ثم الانتقال إلى بناء سلطة توافقية وتوحيد مؤسسات الدولة والقيادة والسيطرة العسكرية والأمنية.
وتأتي بعد ذلك القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة، وهي ملفات لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف هو الوصول إلى سلام مستدام، فاليمن ليس بحاجة إلى اتفاق ينهي المعارك فقط، بل إلى صيغة سياسية تستوعب تعدد مناطقه ومصالح مكوناته وتعيد بناء الثقة بين الأطراف، ومن بين الخيارات التي يمكن أن تدخل في النقاش الجاد صيغة الدولة الاتحادية، شريطة ألا تتحول إلى مجرد عنوان سياسي، بل أن ترتبط بتوزيع واضح وعادل للصلاحيات والموارد، وضمانات دستورية تحمي حقوق مختلف المناطق والمكونات.
والأهم من كل ذلك أن تكون هناك منظومة ضمانات لا تنحاز إلى طرف على حساب آخر، فالسلام الحقيقي لا يقوم على الثقة وحدها، وإنما يحتاج إلى آليات واضحة لمراقبة التنفيذ والتعامل مع أي خرق أو محاولة للانقلاب على الاتفاق. كما يجب أن تمتد الضمانات إلى احترام الدستور ونتائج الانتخابات ومنع استخدام القوة لفرض وقائع سياسية جديدة، لأن ترك هذه الملفات دون حماية قد يجعل الانتخابات نفسها عاجزة عن إنتاج دولة مستقرة في ظل استمرار مراكز القوة المسلحة خارج إطار الدولة.
اليمن اليوم أمام فرصة ينبغي عدم إهدارها إذا ما أتاحت التحولات الإقليمية إعادة فتح النوافذ المغلقة أمام الحل السياسي، فالمطلوب لم يعد مجرد خارطة طريق توقف الحرب، وإنما مشروع متكامل ينقل البلاد من مرحلة الصراع إلى مرحلة بناء الدولة، ويضع الاقتصاد والمؤسسات والأمن والسياسة ضمن مسار واحد. وإذا نجحت الأطراف الإقليمية واليمنية في تحويل المتغيرات الجديدة إلى التزامات عملية وضمانات حقيقية ومراحل قابلة للتنفيذ، فقد تصبح خارطة الطريق بداية لسلام دائم، أما إذا بقيت مجرد تفاهمات مؤقتة، فقد لا تكون سوى هدنة جديدة تؤجل الحرب ولا تنهي أسبابها.