آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:23م

مجلس السلام وغزة بين الواقع واستشراف مآلاته

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 02:10 م
د. جمال الهاشمي


إن المشكلة الاستراتيجية ليست في إنشاء مجلس السلام لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة او في مدى كفاءة أعضائه أو قدرته على إدارة الخدمات المدنية، وإنما في مدى قدرة المجلس على تأسيس بنية أمنية قابلة للاستمرار مع أن أصولية بناءه قائمة على نظام كان هو السباق في الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيلية ونقل إليها سفارته متجاوزا ما أقرته الاتفاقيات الأممية السابقة .

وهذه القضية هي المدخل الحقيقي لفهم احتمالات نجاح أو فشل أي ترتيبات انتقالية في غزة.

فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تحتاج إلى إدارة مدنية فقط وإنما تحتاج إلى إعادة بناء مركز سياسي قادر على احتكار القوة وتنظيمها وإلى تحديد واضح لمصدر القرار الأمني وإلى شرعية اجتماعية تسمح بتحويل القوة من أداة صراع إلى مؤسسة عامة.

فإذا غابت هذه العناصر فإن

السلام فلسفة مفاهيمية مما قد يؤدي صراع أقل كثافة وأكثر تعقيدا.

وعليه فإن الفرضية المركزية لهذه القراءة تقوم على أن فشل

مجلس السلام لن يؤدي بالضرورة إلى عودة الحرب وإنما قد يوجد نمطا أمنيا مختلفا يقوم على تعدد مراكز القوة وتآكل الاحتكار الرسمي للعنف وتزايد العمليات المسلحة الصغيرة وعودة التدخل العسكري الإسرائيلي واتساع المجال أمام الفاعلين الإقليميين وغير الدولين لاستثمار الفراغات الأمنية.

وهذا هو الأمن الهجين ؛ وهو حالة لا تختفي فيها الدولة أو السلطة الرسمية بالكامل ولكنها لا تكون الجهة الوحيدة التي تحدد ملامح الأمن بحيث تتعايش داخل المجال الواحد أجهزة رسمية وقوى دولية وقوى عسكرية خارجية وشبكات محلية ومجموعات مسلحة وفاعلون اجتماعيون وبذلك يصبح الأمن متمخض عن تفاوض وصراع مستمر بين مراكز متعددة وليس ناتج عن سلطة واحدة.

وفي غزة تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية بسبب طبيعة البيئة التي ستخرج منها الترتيبات الجديدة، فالحرب الى جانب تدمير البنى تترك فراغا في السلطة وتغيرا في شبكات النفوذ وتراجعا في قدرة المؤسسات التقليدية وارتفاعا في مستوى التسلح الاجتماعي والسياسي وذاكرة جماعية مشبعة بالعنف والخسارة.

ولذلك فإن إدخال مؤسسة جديدة إلى هذه البيئة لا يعني أنها ستصبح تلقائيا مركز السلطة.

بل قد يحدث العكس فقد يصبح المجلس مركزا إضافيا للقوة من دون أن يصبح مركزها الرئيسي وهنا تبدأ المشكلة.

إن أي نظام أمني مستقر يحتاج إلى ثلاثة شروط مترابطة: وضوح الجهة التي تملك القرار، وقدرة الجهة صاحبة القرار على تنفيذ ما تقرره ووجود درجة كافية من الشرعية تجعل السكان يتعاملون مع مؤسساتها كنتيجة لارادتهم المجتمعية وليست مفروضة خارجيا.

فإذا اختل الشرط الأول ظهرت ازدواجية القرار ووإذا اختل الثاني ظهر الفراغ وإذا اختل الثالث ظهرت مقاومة السلطة.

أما إذا اختلت الشروط الثلاثة في وقت واحد فإن النظام يدخل مرحلة الأمن الهجين وهو امن متعدد يمهد لعودة اسرائيل حتى تسيطر على ما تبقى من فلسطين بأقل التكاليف الممكنة .

وهذا هو السيناريو الذي يمكن أن يتحول إليه مجلس السلام إذا جرى تأسيسه ضمن بيئة لا يمتلك فيها سلطة نهائية على الأمن.

فالمجلس قد يمتلك شرعية دولية لكنه لا يمتلك بالضرورة شرعية اجتماعية وقد يمتلك شرعية اجتماعية و لا يمتلك أدوات القوة التي تجعلع بديلا عن التدخل الاسرائيلي وقد يمتلك بعض أدوات القوة لكنه لا يملك القرار في المجال الأمني الخارجي.

وبالتالي فإن وجود المؤسسة لا يعني وجود السلطة وهذه المسافة بين المؤسسة والسلطة ستكون أهم متغير في تحديد مصير المجلس.

فإذا ظلت إسرائيل محتفظة بعمليات عسكرية واسعة فإن المجلس سيواجه منذ البداية معضلة بنيوية حيث سيطالب

بتثبيت الأمن الداخلي بينما تستطيع إسرائيل إعادة تعريف الوضع الأمني في أي لحظة بقرار عسكري مستقل.

وهنا يمكن أن يحدث التناقض الأمني البنيوي فكلما حاول المجلس بناء مؤسسات أمنية مستقلة احتاج إلى مساحة سيادية وكلما اتسعت هذه المساحة زادت مخاوف إسرائيل من إمكانية إعادة بناء القدرة العسكرية للفصائل وكلما زادت القيود الإسرائيلية انخفضت قدرة المجلس على فرض الأمن وكلما انخفضت قدرته ازداد اعتماده على إسرائيل و تدخلها المباشر.

وهكذا يمكن أن يدخل النظام في حلقة مغلقة؛ تدخل إسرائيلي يؤدي إلى تراجع شرعية المجلس وتراجع الشرعية يؤدي إلى ضعف التعاون المجتمعي وضعف التعاون يزيد من صعوبة اكتشاف الخلايا المسلحة وزيادة النشاط المسلح يؤدي إلى تدخل إسرائيلي جديد.

ومن ثم يصبح التدخل الذي فرضه المجتمع الدولي لحماية النظام سببا في إضعاف المؤسسة التي التي يعول عليها في استقرار غزة وتفعيل القيم الإنسانية.

هذه ليست مفارقة سياسية أقدمها وإنما هي مشكلة أمنية مطبوعة في الذاكرة والسلوك ولا يمكن تغييرها .

ومن هنا فإن نجاح مجلس السلام يتطلب الفصل بين وظيفتين كثيرا ما يجري الخلط بينهما: - وظيفة تأمين الأمن الخارجي ووظيفة تكوين الأمن الداخلي .

لأن وجود قوة خارجية قادرة على الردع قد تمنع حربا واسعة لكنه لا تؤسس بالضرورة لشرطة وقضاء ومؤسسات قادرة على ضبط المجتمع.

كما أن قوة الشرطة المحلية لا تستطيع أداء دورها إذا كانت عاجزة عن التحكم في المجال الأمني الأوسع التي تتدخل فيه إسرائيل بقواعدها المتقدمة.

إن بناء الأمن الداخلي يحتاج إلى سلسلة متصلة من شرطة و قضاء وأجهزة استخبارات و نظام سجون و قانون و إدارة حدود وآليات مساءلة ومرجعية سياسية واضحة وتنمية مستدامة تفرغ البطالة وتشغلها عن الأمن بالتنمية.

لكن هذه السلسلة تصبح عاجزة عندما يكون مركز القرار موزعا بين ارادات متعددة وغير واضحة في أهدافها.

ولهذا فإن أخطر مؤشر على فشل المجلس سيكون بسبب الازدواجية الأمنية؛ أي وجود جهاز أمني رسمي يعمل داخل غزة بينما توجد قوة أخرى تمتلك القدرة على تجاوز قراراته أو وجود ترتيبات دولية تعمل بالتوازي مع الأجهزة المحلية أو وجود مجموعات مسلحة غير رسمية تفرض قواعدها في مناطق محددة.

وعندما تبدأ هذه الظاهرة فإن السلطة الرسمية ستفقد شرعيتها في احتكار العنف و القدرة على تعريف ما هو قانوني وما هو غير قانوني وهنا ينتقل المجتمع من جغرافية ضعيفة إلى مجال أمني متنازع عليه بين القوى المحلية وهذا المجال هو البيئة المثالية لنمو العنف منخفض الكثافة.

والعنف منخفض الكثافة أكثر صعوبة من الحرب التقليدية في بعض جوانبه لأنه لا يحتاج إلى جيش منظم أو قرار سياسي مركزي وإنما يكفي أن تظهر مجموعات صغيرة قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة أو استهداف شخصيات أو تخريب منشآت أو مهاجمة قوات أمنية أو استغلال الحدود والأنفاق والشبكات السرية.

ومع مرور الوقت يمكن أن يتحول هذا النوع من العنف إلى نمط حياة أمنية لا يوجد حرب شاملة ولكن لا يوجد سلام و

لا توجد جبهة واحدة وهو ما يجعل الصراع البيني داخل المجتمع الفلسطيني ممهددا لاضعاف القدرات على حساب السيادة .

وهنا لن تستطيع إسرائيل إعلان النصر ولكنها تتوسع تدريجيا بين يعجز المجلس عن تحقيق الاستقرار والتنمية .

وهنا تتحول غزة إلى منطقة نزاع منخفض الكثافة بدلا من أن تتحول إلى منطقة سلام مما ينقلها إلى تدخل إسرائيل مستقبلا .

والنتيجة الأكثر خطورة هي أن الفاعلين المسلحين قد يتغيرون على غرار اليمن والعراق منا يجعل المجال مفتوحا لتدخل دول أخرى على حساب القضية

وفي المرحلة السابقة للحرب كانت القوى المسلحة الكبرى هي اللاعب الأساسي في المشهد السلطة وحماس مما كان يسهل التفاوض معها .

أما بعد الحرب فإن انهيار البنى التقليدية قد يفتح المجال أمام مجموعات أصغر وأكثر استقلالا وأقل مركزية.

وهذه المجموعات قد لا تكون مرتبطة بالكامل بالقيادات السياسية السابقة وإنما ستتشكل على أساس محلي أو أمني أو انتقامي وقد يصبح من الصعب تحديد من يمثلها أو التفاوض معها وهذه هي الفوضى الذي يخلقها النظام الأمريكي في تدخلاته الدولية ومن نماذجها العراق حيث لا أمن إلا في المجال التي تتواجد فيه الشركات الأمريكية ومثله في أفغانستان وهكذا .

وهنا يتغير نمط التهديد؛ فالتهديد المركزي يمكن ردعه أو التفاوض معه أما التهديد الشبكي المتشظي فيحتاج إلى مراقبة مستمرة واختراق استخباري وانتشار أمني طويل الأمد ولكن سيكون سبب في اضعاف الدولة الفلسطينية وتمكين إسرائيل بذرائع الإرهاب للسيطرة على كامل الأرض الفلسطينية .

وهذا بالضبط ما يجعل فشل المجلس ذا انعكاس مباشر على الأمن الإسرائيلي.

إن إسرائيل ستجد نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف: إما أن تسمح للمجلس بالعمل مع مساحة واسعة من الاستقلال مع المخاطرة بإعادة تشكل القدرات العسكرية. وإما أن تزيد من تدخلها المباشر فتضعف المجلس الذي يفترض أن يحل محلها وهكذا يصبح الأمن الإسرائيلي نفسه مرتبطا بنجاح أو فشل المؤسسة الفلسطينية الانتقالية.

وهذه نتيجة استراتيجية مهمة: فلا يمكن لإسرائيل أن تحقق أمنا طويل الأمد من خلال إضعاف كل سلطة فلسطينية لأن فكرها يقون على خلق مبررات عجز السلطة لضمان توسعها .

فالفراغ الذي تتركه السلطة الضعيفة لن يبقى فارغا وأنما سيملؤه فاعلون آخرون يعطون الشرعية للتدخل الاسرائيلي .

وقد يكون هؤلاء أكثر خطرا وأقل قابلية للضبط وهنا تتصل غزة مباشرة بالضفة الغربية.

فإذا أثبتت تجربة المجلس أن الترتيبات السياسية لا تؤسس لسيادة فلسطينية فقد تتراجع الثقة في أي مسار سياسي ويتزايد الاعتقاد بأن الأمن هو الوسيلة الوحيدة المتاحة لتحقيق المصالح.

وعندما تتراجع جاذبية السياسة وترتفع جاذبية العمل المسلح و ينقل العنف المركزي إلى العنف المحلي المجزأ مما يهدد بقاء الدولة بالكلية .

اي أن الصراع قد لا يعود كمواجهة شاملة بين فصائل وإسرائيل وإنما يتحول إلى عمليات فردية وشبكات صغيرة ومجموعات محلية في غزة والضفة معا.

وفي هذه الحالة لن يكون الفصل بين الجبهتين سهلا فالضفة الغربية قد تصبح ساحة ضغط بديلة إذا تم احتواء غزة، وقد تصبح غزة بدورها مركز إلهام أو رمزية لعمليات تنطلق من الضفة.

وهنا يصبح أمن إسرائيل موزعا على جبهتين مترابطتين تتخذها ذرائع لتدخلها لذلك كان من الواجب إيجاد قوة عربية إسلامية ومسيحية وطنية متعددة الجنسيات لضمان إدارة فلسطين وتمكين سلطة شرعية موحدة تتحمل فيه هذه الدول مسؤوليتها مع رقابة دولية .

لأن أي تدهور أمني ممتد في الضفة أو غزة سيضع الأردن أمام تحديات سياسية وأمنية مركبة ومن ثم يجعله الهدف التالي للتوسع الاسرائيلي مستقبلا .

فالمملكة تتأثر مباشرة بأي تحول في البيئة الفلسطينية سواء عبر الحدود أو عبر الضغط السياسي والاجتماعي أو عبر تداعيات أي مسار للتهجير.

ولهذا فإن فشل ترتيبات غزة قد يصبح عاملا مضاعفا للضغط على الأردن حتى بدون انتقال مباشر للعنف إلى الأراضي الأردنية وفي مصر سيكون البعد الأمني أكثر مباشرة بسبب ارتباط غزة جغرافيا بأمن شمال سيناء وأي ضعف في السيطرة الأمنية أو عودة شبكات التهريب أو ظهور مجموعات مسلحة مستقلة يمكن أن يفرض على القاهرة تشديد إجراءاتها الحدودية، وربما إعادة تعريف ترتيباتها الأمنية في المنطقة.

وبذلك يصبح فشل المجلس عاملا في زيادة عسكرة الحدود المصرية-الغزية أو سبب لدخول المهاجرين إلى سيناء وضياء غزة كأحد الأزمة الأمنية لمصر.

أما لبنان فقد يكون ساحة أخرى تتأثر بطريقة غير مباشرة.

وكلما طال أمد الأزمة الفلسطينية، زادت قيمة غزة في حسابات القوى التي تستخدم الصراع الفلسطيني كجزء من استراتيجيات الردع الإقليمية.

ولا يعني ذلك أن حربا جديدة ستندلع حتما وإنما يعني أن فشل المجلس قد يضعف الجبهة الفلسطينية في معادلة الردع الإقليمي.

أو أن الفشل في غزة قد يعيد بناء الترابط بين الساحات بين غزة والضفة ولبنان والأردن وسيناء باعتبار ها كلها منظومة أمنية مترابطة يمكن أن تنتقل فيها الضغوط من ساحة إلى أخرى.

ولهذا يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات استراتيجية رئيسية للفترة 2026–2030.

- السيناريو الأول هو الاستقرار المشروط وفيه ينجح المجلس في منع العودة إلى الحرب واسعة النطاق ويبنى أجهزة أمن فلسطينية تدريجية وفيه يكون التدخل الخارجي محدودا زمنيا وتبدأ صلاحيات الأمن بالانتقال إلى مؤسسة فلسطينية موحدة. هذا السيناريو لا يعني حل الصراع و لكنه يمنع تحوله إلى صراع مزمن .

وهذا هو السيناريو الأكثر قابلية و لكنه يتطلب شرطا أساسيا وهو أن يكون المجلس جسرا إلى السلطة وليس ا بديلا عنها.

- السيناريو الثاني هو لأمن الهجين المستدام وفيه يبقى المجلس قائما لكن لا يستطيع احتكار القوة ومن ثم تستمر إسرائيل في التدخل عند الضرورة والتوسع وحينها تضيق نطاق عمل القوة الدولية وتحددها في مجالات محددة، وتظهر مجموعات محلية مسلحة بينما تبقى المؤسسات الفلسطينية محدودة الصلاحيات.

هذا السيناريو قد يمنع الانفجار الشامل لكنه يضعف الاستقرار ويجعل من غزة منطقة أمنية معلقة بين الحرب والسلام.

وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر خطورة على المدى المتوسط؛ لأنه يسمح للجميع بتأجيل الحل حيث تتيح الظروف للأقوى في فرض اهدافه.

- السيناريو الثالث انهيار الترتيب الأمني وفيه يفقد المجلس شرعيته أو قدرته التنفيذية وتتزايد الهجمات المسلحة وتعود إسرائيل إلى عمليات واسعة وتتراجع القوة الدولية أو تفشل في تنفيذ تفويضها وتنتقل حالة عدم الاستقرار إلى الضفة أو الحدود الإقليمية.

عند هذه لا يكون المجلس قد فشل فقط وإنما سيكون أحد عناصر الأزمة الجديدة في حال لم يكن مسيسا أو تابع لاجندات محلية ودولية .

ويمكن قياس الانتقال من السيناريو الأول إلى الثاني أو الثالث عبر مؤشرات محددة أول هذه المؤشرات هو مستوى احتكار القوة بيد سلطة فلسطينية موحدة . وثانيها هو مستوى التدخل العسكري الإسرائيلي هل يستطيع منعه المجلس.

وثالثها هو شرعية الأجهزة الأمنية الفلسطينية وهل تمثل الإرادة العامة ام هي مفروضة بأجنظة سياسية خارجية.

ورابعها هو مستوى العنف منخفض الكثافة بين التصاعد والانخفاض .

وخامسها درجة التعدد الأمني بحيث نعرف كم عدد المراكز الفعلية للقرار الأمني داخل غزة.

وسادسها العلاقة بين غزة والضفة وهل تتجه الساحتان إلى التهدئة المتوازية أم إلى تصعيد العنف؟

وسابعها مستوى الترابط الإقليمي: هل يبقى العنف محصورا في غزة أم يبدأ في التأثير على مصر والأردن ولبنان والبحر الأحمر؟

هذه المؤشرات التساؤلية بالنسبة لأي محلل استراتيجي أهم من البيانات السياسية الصادرة عن المجلس لأنها تقيس الأمن الفعلي لا تصوره في الخطاب السياسي .

ومع هذا فإن فشل المجلس قد يبدأ قبل ذلك بكثير وذلك عندما تصبح المؤسسة غير قادرة على اتخاذ قرارات أمنية مستقلة ثم عندما تبدأ إسرائيل في تجاوزاتها المستمرة ثم عندما تفقد الأجهزة الفلسطينية تعاون السكان وتغيب شرعيتها ثم عندما تظهر مجموعات مسلحة صغيرة.

ثم عندما يصبح الأمن المحلي مرتبطة بالوساطة الخارجية.

عندها يكون المجلس قد دخل مرحلة الفشل البنيوي حتى لو ظل قائما.

ومن هنا فإن الفترة بين 2026 و2030 ستكون حاسمة ليس فقط بالنسبة إلى غزة وإنما بالنسبة إلى شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط.

إن المعيار الحقيقي لنجاح مجلس السلام هو منع استخدام القوة وإعادة مؤسسات السلطة الفلسطينية القادرة على استعادة وظائفها وأن يبني نظاما أمنيا

وليس أن يفرض الأمن على المجتمع .

فإذا لم يتحقق ذلك فإن المجلس سيبقى جهازا انتقاليا معلقا بين عدة سلطات وستبقى غزة معلقة بين عدة أنظمة أمنية وسيبقى الأمن الإقليمي معرضا للاهتزاز عند كل أزمة.

ومن هنا فإن الفشل المحتمل للمجلس سيتخذ ثلاثة صور:

فشل انهياري يعجز عن حفظ الأمن.

فشل وظيفي يحقق الأمن لكنه لا يحقق السيادة لفلسطين .

فشل استراتيجي: المجلس ينجح في تثبيت الهدوء ولكنه يثبت في الوقت نفسه نظاما أمنيا هجينا يجعل التسوية السياسية أكثر صعوبة.