آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:24م

كل قطرة دم... تطرح سؤالًا أكبر!

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 10:42 م
د. سمير أحمد بوست


ليست أكثر الصور إيلامًا في الحروب هي الدخان، ولا أصوات الانفجارات...

بل تلك اللحظة التي ينتظر فيها البيت عودة ابنه، فيأتيه الخبر بدلًا منه.

يوم أمس، استفاق اليمن على خبر هجومٍ جديد أوقع قتلى وجرحى في صفوف قوات الحكومة الشرعية، لتُضاف صفحة أخرى إلى سجلٍ طويل من الدماء والمعاناة.

إن إدانة مثل هذه الهجمات ليست موقفًا سياسيًا فحسب، بل هي، قبل كل شيء، موقفٌ إنساني وأخلاقي. فالجنود الذين سقطوا اليوم ليسوا أرقامًا في بيانٍ عسكري، بل بشرٌ لهم أسرٌ وأحلامٌ ومستقبلٌ انقطع قبل أوانه.

ولهذا، فإن احترام الإنسان يبدأ برفض استهدافه، أيًّا كان موقعه، وبالعمل الجاد على منع تكرار مثل هذه المآسي.


غير أن الحزن وحده لا يكفي.


ففي كل مرة يقع فيها هجوم كهذا، ينشغل الجميع بالسؤال: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما حجم الخسائر؟

لكن ثمة سؤالًا آخر، أكثر عمقًا وأبعد أثرًا، ينبغي أن يبقى حاضرًا في وعينا جميعًا:


هل قمنا بكل ما يمكن لحماية الإنسان؟


إن ما شهدته الساحة اليمنية اليوم يمثل خسارةً إنسانية ووطنية موجعة، قبل أن يكون حدثًا أمنيًا أو عسكريًا. ومن هنا، فإن أول ما ينبغي أن يجمعنا هو التعاطف الصادق مع الضحايا، والدعاء للجرحى بالشفاء، مع الإيمان بأن الإنسان يجب أن يبقى دائمًا في مقدمة الأولويات.


غير أن أصدق وفاءٍ للضحايا لا يكون بالحزن عليهم وحده، بل بأن تتحول كل حادثةٍ مؤلمة إلى فرصةٍ صادقة للمراجعة، والتقييم، والتطوير، حتى لا تتكرر المأساة.


فالتحديات جزءٌ من واقع الدول، لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرتها على التعلم منها، وتعزيز جاهزيتها، وتحسين التنسيق، وتطوير الأداء، وتحويل كل تجربةٍ مؤلمة إلى درسٍ يمنع تكرارها.


فالأمن ليس مسؤولية مؤسسةٍ واحدة، بل مسؤولية دولةٍ بكل مؤسساتها، تبدأ بالتخطيط، والمعلومة الدقيقة، والإدارة الرشيدة، والجاهزية المستمرة، وتنتهي بحماية الإنسان وصون حياته.


والسلام الذي يتطلع إليه جميع اليمنيين لا يقوم على حسن النوايا وحده، بل على دولةٍ قادرة، ومؤسساتٍ قوية، وشراكاتٍ مسؤولة، وإرادةٍ مستمرة في بناء القدرات. فالسلام الحقيقي هو الذي يحمي الإنسان، ويمنع تكرار المآسي، ويمنح المجتمع الثقة بمستقبله.


لقد أثبتت التجارب أن السلام لا يمكن أن يستمر إذا تحول إلى فرصة لإعادة تنظيم الهجمات أو إطالة أمد الصراع. فهذا ليس السلام الحقيقي الذي يحمي الأرواح، ويحترم الالتزامات، ويمهد لبناء الدولة، وهكذا حين يُستغل السلام لزيادة معاناة الناس، فإن من حق المجتمع أن يراجع أدواته، وأن يبحث عن السبل التي تكفل حماية الإنسان واستعادة الأمن وسيادة الدولة.


ومن هذا المنطلق، فإن دعم بناء مؤسسات الدولة اليمنية، وتعزيز قدراتها، ورفع جاهزيتها، من خلال الجهود الوطنية والشراكات مع الأشقاء والأصدقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية ودول تحالف دعم الشرعية، يمثل استثمارًا مباشرًا في أمن اليمن والمنطقة والعالم. فاستقرار اليمن ليس مصلحة وطنية فحسب، بل هو ركيزة لاستقرار الجميع وأمنهم.


وفي المقابل، فإن استمرار مثل هذه الهجمات، وما يترتب عليها من خسائر بشرية مؤلمة، يفرض على الجميع استخلاص الدروس، وتعزيز إجراءات الحماية والجاهزية، ومراجعة الأداء بصورةٍ مستمرة، بما يحفظ الأرواح ويقلل من كلفة الصراع على الإنسان والوطن.


إن الشعوب لا تنتظر من مؤسساتها أن تمنع كل خطر، فهذا قد لا يكون ممكنًا في جميع الظروف، لكنها تنتظر منها أن تبذل أقصى ما تستطيع لحماية الإنسان، وأن تتعلم من كل تجربة، لأن الدولة القوية هي التي تجعل كل تحدٍّ فرصةً لتصبح أكثر كفاءة، وأكثر استعدادًا، وأكثر قدرةً على حماية مواطنيها.


وربما لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا بعد كل حادثة ليس:

من نلوم؟

ولا:

ماذا نقول؟

بل:

ماذا يجب أن نفعل حتى لا تتكرر هذه المأساة؟


هذا السؤال هو بداية كل إصلاحٍ حقيقي، وبداية كل سياسةٍ مسؤولة، وبداية كل دولةٍ تتعلم من تجاربها، ولا تكتفي بتكرارها.


فالدماء لا تطلب مزيدًا من الكلمات...

ولا مزيدًا من البيانات...

بل تطلب أن نتعلم، وأن نطور، وأن نحمي، حتى لا تتكرر المأساة مع أسرةٍ أخرى، أو أمٍ أخرى، أو طفلٍ آخر ينتظر من لن يعود.


فحماية الإنسان ليست شعارًا سياسيًا... بل هي أسمى واجبات الدولة، وأصدق معيارٍ لنجاحها.


رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، وحفظ اليمن وأهله وسائر بلاد المسلمين من كل سوء، وألهم الجميع الحكمة والمسؤولية في بناء دولةٍ يكون فيها أمن الإنسان هو المعيار الأول لنجاح السياسات، وقوة المؤسسات، وتعزيز الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء، والاستفادة المثلى منها بما يدعم مؤسسات الدولة، ويحفظ الأرواح، ويعزز الأمن والاستقرار.


والله المستعان.