اليوم وانا جالس على سطح المنزل اراغب السحاب وهي تملئ الجو فاذا باحد ابنائي يفتح جواله ويربطه بسماعة مكبر للصوت واذا بها اغنية ضاعت غنم بدوي السيلة للشاعر الاستاذ فضل قاسم ثابت التي يقول مطلعها .
ضاعت غنم بدوي السيلة ... والرعد فوق المخيلة والمطر سيال
مرثاة حالي له الليلة ... مرثاة حالي لحال البدوي الرحال
باليد ماشي معي حيلة ... بيت سهران وحدي ما هداء لي بال
بالصوت بيصيح يا عويلة ... حد شاف لي غنم يا بدويا حلال
تتخايل السحاب في أفق السماء البعيدة فيأخذك الوميض الصاخب والشهاب المضيء إلى نشوة البدايات الأولى معتقداً أن الخصب بات غايتك القريبة وأن الوديان الجافة ستسيل حتماً بالخير والماء الرغد وفي زحمة ذلك الذهول الساحر تطلق سراح القطيع والرعية لتسبق الرحلة نحو الأفق الموهوم لكن الشطآن المجهزة تنادي من وراء الحدود والمطر الذي ظننته غيثاً لراعتك وأرضك هطل ركاماً مجلجلاً في ديارٍ أخرى كانت قد بَنَت حياضها بذهب الرمل وسعة اليد واستعدت لاستقطاب كل مَن أنهكه الظمأ وحصار الشعاب .
هكذا يجد بدوي السيلة نفسه اليوم أضاع القطيع بأكمله وهو يشخص بآماقه ونظراته نحو المخيلة البعيدة وما درى أن رعيانه وكبار القوم في عشيرته قد سبقوا الغنم والأرض إلى ظلال الحصون العالية هناك حيث العلف المضمون والمأوى الدافئ وشعاع الركاب المنصوبة تحت حماية الجار القوي المليء .
خديعة المخيلة وصدمة الواقع الميداني كانت الحسبة في بداية الطريق بسيطة ومغرية حشد الرعاة رفع الرايات العالية والاندفاع الجارف نحو الأفق دون حساب لتقلبات الفصول .
غير أن معادلات الصحراء وقوانين الطبيعة أكثر قسوة بمراحل مما رسمته الأغاني الحماسية والقصائد فالرعي المستدام يلزمه زاد متصل وحماية العشيرة تتطلب رؤية أبعد من مجرد الصوت المرتفع والزعاق في الفضاء :
1. رحيل أهل الحيلة والنفوذ لم يسقط القطيع في جرفٍ واحد فجأة بل تسرب شاةً بعد شاة وزماماً بعد زمام حين اكتشف أرباب الفصاحة والقيادة أن الخبز المخبوز في المضايف المجاورة أكثر طراوة وأماناً وأن ركوب الحافلات الذهبية أنفع بكثير من انتظار السيل المفترض الذي يرفض أن يسيل في العراء .
2. الصوت الضائع في الخلاء إن البقاء في بطن السيلة مجرداً من أدوات القوة الحقيقية والزاد الذاتي يجعل الداعي يصرخ في الفراغ يا عويلة حد شاف لي حلال ؟ لكن الصوت يرتد صداه مغبراً خائباً بعد أن شغل العويلة والفتيان بجمع ما تساقط من موائد الكرام في ديار النجد والحصون المنيعة.
المرثاة بين وهم السيادة وواقع الارتهان مرثاة حالي له الليلة مرثاة حالي لحال البدوي الرحال باليد ماشي معي حيلة بيت سهران وحدي ما هداء لي بال ليست القضية هنا مجرد غنمٍ ضاعت في شعاب الوادي التائه بل هي مرثاة شاملة لخيبة مشروع الرعي بأكمله فعندما يكتشف صاحب الخيمة والدار أن الذين اتكأ عليهم لسنوات لصون الحِمى وحراسة الحدود قد ألقوا عصيهم وتركوا مراعيهم ومضوا غرباً وشرقاً يفتشون عن أمانهم الشخصي وضماناتهم الفردية تحت عباءة المانح الكبير تجف الكلمات في الحلاقيم .
تلك هي المأساة الحقيقية لمن يراهن دائماً على بريق الرعد المهاجر دون أن يملك سداً يصون قطرات المطر ومن يحشد الجماهير على حلمٍ عابر ثم يستيقظ في هبأة الليل ليجد نفسه خالي الوفاض فلا المطر سال في دياره وأحيى أرضه ولا الحلال بقي في سراحه وحمايته .
ما بعد ضياع الحلال يقف البدوي اليوم بين سهر الليل الطويل ووحشة وادي السيلة يقلّب يديه بلا حيلة أو رجاء لقد تغيرت الخارطة فمن كانوا حلفاء بالأمس القريب صاروا وكلاء لغيره ومن كانوا حراساً للمعيار تفرقوا شيعاً في الخيام المذهبة والمحيط بأكمله يعيد صياغة شروطه .
يبقى السؤال الأخير الذي يخنق الصدر في سكون الليل :
هل كانت الغنم هي التي ضاعت في الوادي فعلاً أم أن البدوي هو من أضاع الطريق والبوصلة منذ أن توهم أن بريق السحاب المبتعد هو وطنه المستقر ؟