آخر تحديث :الأحد-16 أغسطس 2026-11:48م

الشرعية اليمنية... وسيفُ عباس ،،،

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 11:38 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


يحكون أن عباسًا لم يكن جبانًا، ولم يكن يفتقر إلى السلاح، ولم يكن عاجزًا عن القتال.

كانت مشكلته الوحيدة أنه أحبَّ السيف أكثر مما أحبَّ استعماله.

كان يقضي نهاره في صقل نصله، وليله في تأمل بريقه، حتى صار السيف يلمع كالشمس... بينما كانت اللصوص تتقدم نحو بيته خطوةً بعد خطوة.


قالت له زوجته: لقد بلغوا أطراف القرية.

فقال: تمهلي... فما زال السيف يحتاج إلى شيء من الصقل.

ثم قالت: لقد صاروا عند الباب.

فقال: تمهلي... فالمعركة تستحق سيفًا كاملاً.

ثم صرخت: لقد كسروا الباب!

فقال: وهو ينظر إلى انعكاس وجهه في نصله: تمهلي... لم يكتمل اللمعان بعد.

وحين انتهى من صقل السيف... لم يجد بيتًا يدافع عنه، ولا بابًا يغلقه، ولا كرامةً يصونها، بل وجد نفسه يُقاد أسيرًا، يحمل سيفًا لم يعرف طعم المعركة.


وهكذا يولد العبث... حين يصبح الإعداد غاية، ويغيب الفعل.

في اليمن...

يبدو أن حكاية عباس لم تنتهِ، بل وجدت لها ورثةً يجيدون تلميع السيوف أكثر مما يجيدون استعمالها.

كل أزمةٍ يقال عنها: "اصبروا."

كل كارثةٍ يقال عنها: "الوقت لم يحن."

كل فرصةٍ تضيع يقال بعدها: "سنعوضها."

حتى صار الزمن نفسه يضحك من هذا التأجيل المزمن.


كأن السياسة عند بعضهم ليست فن اغتنام اللحظة.... بل فن انتظار اللحظة التي لا تأتي.

الخصوم لا ينتظرون انتهاء الاجتماعات، ولا يقرؤون محاضر اللجان، ولا يكترثون لطول البيانات. إنهم يتحركون على الأرض، بينما لا يزال غيرهم يناقش شكل الخريطة.


ويا للمفارقة...

كلما ضاقت البلاد، اتسعت الخطب.

وكلما تقلصت مساحة الفعل، تمددت مساحة التصريحات.

وكلما انكمش الحضور في الواقع، ازداد الحضور أمام الكاميرات.

حتى خُيّل للناس أن البيانات أصبحت تؤدي وظيفة الجيوش، وأن المؤتمرات يمكن أن تستعيد ما خسرته الوقائع.

لكن التاريخ لا يقرأ البيانات...

بل يقرأ النتائج.

والأوطان لا يحرسها جمال الكلمات، وإنما شجاعة القرارات.


لقد أثبتت قصة عباس أن السيف الذي يبقى في حجر صاحبه حتى يسقط البيت، ليس سيفًا متأخرًا فحسب، بل شاهدٌ على ضياع اللحظة.

فكم من الفرص مرت أمامنا فقلنا: غدًا.

وكم من الأخطار دقت الأبواب فقلنا: ليس الآن.

وكم من الأبواب كُسرت، وما زال بعضهم مشغولًا بإقناع الناس أن صوت التكسير مجرد إشاعة


إن الأمم لا تسقط دائمًا لأنها ضعيفة...

بل قد تسقط لأنها أخطأت توقيت القوة.

فالقوة التي تصل بعد انتهاء المعركة، ليست قوة...

تمامًا كما أن سيف عباس، رغم بريقه، لم يكن سوى مرآةٍ عكست وجه الهزيمة.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تصاب به أي سلطة، ليس نقص الرجال، ولا قلة الإمكانات، بل الإيمان بأن الوقت سيظل واقفًا ينتظرها.

فالوقت لا ينتظر أحدًا...

والأوطان لا تنقذها السيوف اللامعة، وإنما تنقذها الأيدي التي تعرف متى تخرجها من أغمادها.


واليوم...

حين تسقط دماء العشرات من الجنود بين قتيلٍ وجريح، في هجماتٍ تستهدف مواقعهم، لا يكون السؤال عن عدد الضحايا فقط...

بل عن قيمة الإنسان في ميزان المسؤولية.

أيُّ معنى للقيادة إذا كان الجندي يذهب إلى الميدان بلا ما يكفي من أسباب الحماية؟

وأيُّ معنى للأمانة إذا أصبحت دماء الرجال خبرًا عابرًا، يُقرأ في الصباح ثم يُنسى في المساء؟


إن الجندي الذي يسقط في موقعه ليس رقمًا في بيان عسكري، بل هو ابنٌ ينتظر عودته والداه، وزوجةٌ تترقب خطاه، وأطفالٌ يعلقون أحلامهم على بابٍ قد لا يُفتح مرة أخرى.


وكان أقل ما ينتظره الناس من المسؤولين أن يشعروا بوجع هذه الأسر، وأن يشاركوا الوطن أحزانه، وأن يخرجوا للناس بكلمة مسؤولية، وموقف يطمئن القلوب، وخطة تمنع تكرار المأساة.


فالمسؤولية ليست كرسيًا يُجلس عليه...

بل أمانةٌ يُسأل عنها صاحبها أمام الله قبل التاريخ.

قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.

فأين أمانة المسؤولية؟

أين الشعور بثقل الدماء التي سالت؟

أين السؤال الذي يجب أن يسبق كل سؤال: كيف نحمي من يحمون الوطن؟


إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم ليس أن يُهزم جنودها في معركة...

بل أن يشعر الجندي، وهو في قلب المعركة، أنه يقاتل وحده.

فلا تجعلوا من سيف عباس قصةً تُروى عن الماضي...

حتى لا يصبح حاضرنا شاهدًا على أن السيوف كانت موجودة، لكن الأيدي التي تعرف متى تُشهرها كانت غائبة.