ونحن نعيش سنوات اغتراب الهوية ولا نقول فقدانها تجول في الخاطر بين الحين والآخر ذكريات قديمة عابرة للتاريخ وللزمان والمكان، ومن ثمّ نسقطها على واقعنا الذي مازال يعيش مرحلة التِيه الطويلة ولم يجد حتى بوادر لبلوج شعاع أملٍ يسير بنا إلى المسار الآمن لعلّنا نصل إلى الهدف المنشود،
ونحن نتابع حركة التطوّر للشعوب والبلدان المحيطة بنا اقليمياً أو حتى التي تفصلنا عنها مسافات طويلة من بحار ومحيطات يبرز أمامنا السؤال الذي لم نجد له جواباً لماذا نحن؟
لماذا حضرموت؟ وستتوه الأجوبة أمامنا وسنشرّق ونغرّب وستكثر التنظيرات ولن نصلَ إلى مبتغانا لأننا لم نشخّص الحالة تشخيصاً صحيحاً بل لا نريد تشخيصها لأن التشخيص قطعاً مؤلم للحالة النفسية لدى البعض، ولهذا ستزداد الفترة الزمنية لسنوات التيه الحضرمي،
ولهذا سنبحث عن الأسهل وما أسهل أن نتذكّر النجاحات الشخصية لبعض حضارمة المهجر،
ونعتبرها نجاحات لحضرموت بل للحضارم جميعاً، وعليه سنتغنّى بها ليلاً ونهاراً وسنذكرها في مقايلنا وأسمارنا وفي أشعارنا وكتاباتنا، وسنرفع كثيراً من شأن هذا لأن أصله يعود إلى قبيلتنا أو إلى قبيلة أخرى شهيرة ومرموقة أو إلى سلالة لها مكانتها في المجتمع،
وسننتقص من ذاك أو لن نعطيه حقه على الأقل كما يجب لأنه ليس من تلك الانتماءات التي أشرنا إليها فيما سبق، وهكذا دواليك، وأمثلة على ذلك مرعي الكثيري في تيمور الشرقية وأنيس باسويدان في جاكرتا وأحمد سامبي باعلوي في جزر القُمُر وعبدالرزاق قرنح في تنزانيا،
وبطبيعة الحال هذه الحالة الحضرمية بكل تفاصيلها في حاجة ماسّة إلى دراسات عميقة وإلى بحوث أكاديمية عالمية متخصصة مدركة وعالمةً بجميع الجوانب ماضيها وحاضرها،
وإذا ما عدنا إلى العنوان (حضارمة المهجر والتأثير العالمي) فإن أعظم ما سنفتخر بالتأثير العالمي لهم هم أولئك النفر الذين قدموا على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ومن بعدهم الرجال الذين كانوا في مقدمة صفوف جيوش الفتح الإسلامي في العراق والشام ومصر وشمال افريقيا والاندلس،
ومن بعدهم بقرون طويلة أولئك البسطاء من الحضارم ممن ضاق بهم العيش في حضرموت لأسبابٍ كثيرةٍ فاقتحموا المخاطر وركبوا الأمواج وتعدّوا البحار والمحيطات ليضعوا الرحال في سواحل شرق افريقيا وسواحل الهند وفي جزر جنوب شرق آسيا بحثاً عن أوطانٍ يجدون فيها السلام والاطمئنان ورغد العيش، متوكلين على الله ومأخذين بالأسباب ومستلهمين قول الحق سبحانه وتعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
ففتح الله عليهم باب الرزق بعد أن حافظوا على دينهم وقيمهم وأخلاقهم وتميّزوا بمعاملتهم الحسنة مع الآخرين والتي بها فتح الله لهم قلوب أولئك الأقوام فدخلوا في دين الله أفواجاً بالحبِّ لا بالحرب، فهم من يستحقوا أن نطلق عليهم أن لهم تأثير عالمي في مهاجرهم،
فبهم يكون القياس للتأثير والنجاح الجمعي، لأن النجاحات الأخرى التي تحققت للبعض في مجاله التجاري او الثقافي او السياسي فهي في الحقيقة نجاحات شخصية تميّز بها أفراد بذاتهم وكان نتيجة جهودهم العلمية أو التجارية وتحصيلهم الثقافي المميز وانخراطهم في العمل السياسي الوطني فلم تكن لحضرموت دولة حتى تدعمهم ولم يكن لقبائلهم أو أسرهم إمكانيات مالية أو برنامج سياسي لتقف خلف هذا أو ذاك، بل أيضاً كانوا مواطنين في بلدانهم التي ولِدوا فيها ومارسوا حقوقهم الوطنية المكتسبة بكل اقتدار بعيداً عن الأصل الذي جاءوا منه، لأنه لم يكن حتى في حساباتهم،
ولكن ذاع صيت بعضهم وطافت شهرته الآفاق والأديب علي أحمد باكثير الكندي خير مثال، فماذا قدّمت له حضرموت في نجاحاته وتميّزه بل هو خرج من حضرموت وغادرها منزعجاً بعد أن ضاق به الحال حتى حطّ الرحال في أرض الكنانة ليجد فيها الأمان والاطمئنان، وهي التي سبق أن وصلَ إليها أجداده في مقدمة جيش الفتح الإسلامي في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه وأستقر الكثير منهم هناك فكانت لهم وطناً وأنعم به من وطن،
عموماً الموضوع شيّق وشائك في نفس الوقت ولكنه طويل جداً وكثيرون سيدلون بدلائهم ولن يفوه حقه.
وأختم بما قاله باكثير رحمه الله:
سأرحلُ من بلادٍ ضِقت فيها
تلازمني بها أبداً شعوبُ
فأجتاز البحار لأرضَ (مصرَ)
إلى حيث المقام بها يطيبُ