آخر تحديث :الأربعاء-05 أغسطس 2026-11:52م

قراءة في مؤشرات الحرب القادمة

الأربعاء - 05 أغسطس 2026 - الساعة 06:38 م
م. صالح بن سعيد المرزم


ليست المشكلة في أن تبدأ الحرب… بل في أن كثيرين لا يدركون أنها ربما تكون قد بدأت بالفعل، ولكن بأشكال مختلفة. ومع المستجدات الأخيرة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.


فالحروب الكبرى لا تبدأ يوم سقوط أول صاروخ، ولا يوم إعلان أول بيان عسكري، وإنما تبدأ عندما تتغير قواعد اللعبة، وتتبدل موازين القوى، وتتحرك الجيوش بصمت، بينما يظل الرأي العام منشغلًا بمتابعة التصريحات السياسية اليومية.


ولهذا، ومنذ أكثر من عام، وأنا أكتب سلسلة من المقالات لم تكن منفصلة عن بعضها، بل كانت أجزاءً من قراءة استراتيجية واحدة للمشهد.


في «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» قلت إن الاتفاقات ليست نهاية الأزمة، وإن التفاصيل هي التي ستحدد شكل الصراع القادم.


وفي «حوار الطرشان» أوضحت أن الشرق الأوسط دخل دائرة مغلقة من التفاوض والتهديد والتصعيد والتهدئة، وأن الجميع يتحدث، لكن لا أحد يغير جوهر موقفه.


ثم جاء مقال «إيران بعد الحرب» ليؤكد أن الضربات العسكرية وحدها لا تعني نهاية المشروع الإيراني، بل إن السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث بعد انتهاء القصف؟


وعندما كتبت «بعد السماء… الأرض!» كنت أقول إن الضربات الجوية ليست إلا المرحلة الأولى، وإن التاريخ العسكري يعلمنا أن القوة الجوية، مهما بلغت دقتها، نادرًا ما تحسم صراعًا استراتيجيًا بمفردها.


واليوم، ومع تسارع الأحداث وتزايد المؤشرات العسكرية والسياسية، تبدو تلك القراءة أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.


لسنا أمام أزمة أمريكية إيرانية عابرة.


ولسنا أمام خلاف سياسي يمكن أن تنهيه جولة مفاوضات جديدة.


بل أمام صراع يتجاوز حدود الخلاف التقليدي، ليطال شكل الشرق الأوسط خلال العقود القادمة.


إن إيران لم تعد مجرد دولة ذات حدود جغرافية، بل أصبحت مركز شبكة إقليمية من الحلفاء والجماعات المسلحة والنفوذ السياسي الممتد عبر أكثر من ساحة.


ولهذا، فإن أي مواجهة واسعة مع إيران - إذا تطورت إلى حرب إقليمية - لن تقتصر بالضرورة على الأراضي الإيرانية، بل قد تمتد إلى ساحات يرتبط فيها نفوذ طهران بشكل مباشر، مثل الحوثيين في اليمن وبعض الفصائل المسلحة في العراق، مع بقاء حجم ونطاق أي عمليات مستقبلية أمرًا يعتمد على قرارات الأطراف المتحاربة وتطورات الميدان، وليس أمرًا يمكن الجزم به مسبقًا.


ولهذا السبب، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه الجميع ليس:


هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟


بل:


هل أصبح المشروع الإيراني بأكمله هدفًا لإعادة الاحتواء أو الإضعاف؟


إذا كان الجواب نعم…


فنحن أمام مرحلة تختلف في طبيعتها عن كل ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية.


لقد تعود الناس على متابعة تصريحات السياسيين.


لكن التاريخ يعلمنا أن البيانات الإعلامية كثيرًا ما تكون جزءًا من إدارة الأزمة، وليست بالضرورة مرآة كاملة لما يجري في غرف القرار.


ولهذا، فإنني لا أقرأ المشهد من التصريحات وحدها.


أقرأه من الوقائع.


عندما تتحرك القطع البحرية.


وعندما تتعزز القواعد العسكرية.


وعندما تصدر تحذيرات أمنية وإجلاءات لرعايا بعض الدول.


وعندما تتغير خرائط الانتشار العسكري.


فإن هذه المؤشرات مجتمعة تستحق المتابعة، لأنها قد تعكس استعدادات لسيناريوهات متعددة، حتى وإن لم تكن دليلًا قاطعًا على قرار نهائي بالحرب.


وفي تقديري، فإن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه المحلل هو أن يربط قراءته اليومية بتصريح سياسي واحد.


قد يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه لا يريد حربًا.


وقد يؤكد بعد ساعات أنه يريد اتفاقًا.


ثم تتخذ مؤسسات الدولة لاحقًا قرارات مختلفة وفقًا لتطور الأحداث وحسابات الميدان.


لهذا، فإن قراءة المشهد يجب أن تبقى مرتبطة بحركة الواقع، لا بحركة العناوين الإخبارية فقط.


أما اليمن…


فإنه يقف اليوم على أحد أخطر المفترقات منذ سنوات.


فباب المندب ليس مجرد ممر بحري.


إنه أحد شرايين التجارة العالمية.


وأي طرف يمتلك القدرة على تهديد هذا الممر يصبح جزءًا من الحسابات الدولية.


ولهذا، فإن أي تصعيد إقليمي قد يزيد الضغوط العسكرية على الحوثيين إذا اعتُبروا مصدرًا لتهديد الملاحة أو مرتبطين بتوسيع الصراع.


ويظل الساحل الغربي وميناء الحديدة عنصرين مهمين في أي نقاش عسكري يتعلق بالإمداد والسيطرة البحرية، لكن كيفية التعامل معهما تبقى قرارًا عملياتيًا لا يمكن استباقه.


أما العراق…


فإن وجود الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران يجعله أحد أكثر الميادين حساسية إذا اتسع نطاق المواجهة.


إن ما يجمع هذه الساحات ليس الجغرافيا…


بل أنها أصبحت، بدرجات مختلفة، جزءًا من معادلة الردع والنفوذ في المنطقة.


ولهذا أعتقد أننا نقترب من لحظة تاريخية قد يكون عنوانها:


إعادة رسم الشرق الأوسط بالقوة والسياسة معًا.


وقد أكون مخطئًا في توقيت الأحداث…


لكنني أرى أن اتجاهها العام يسير منذ سنوات في المسار نفسه.


ولهذا لم تكن مقالاتي السابقة توقعات منفصلة.


بل كانت حلقات في قراءة استراتيجية واحدة.


وأعتقد أن الأيام القادمة ستكشف أن ما بدا للكثيرين أحداثًا متفرقة، كان في الحقيقة فصولًا متتابعة من مشهد واحد.


قد تتأخر العاصفة…


وقد تتغير أدواتها…


لكن عندما تتجمع المؤشرات العسكرية والسياسية والاقتصادية في الاتجاه نفسه، يصبح من الصعب تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد مصادفات.


فالتاريخ لا يُكتب دفعة واحدة…


بل يُكتب سطرًا بعد سطر.


وربما نكون اليوم نقرأ السطور الأخيرة قبل بداية فصل جديد من تاريخ الشرق الأوسط.