منذ اندلاع أزمة مضيق هرمز، راجت في وسائل الإعلام، وفي كتابات عدد من المحللين، مقارنة مفادها أن ما يجري اليوم يشبه أزمة السويس عام 1956، وأن إيران ستخرج من هذه المواجهة منتصرةً سياسيًا كما خرجت مصر بقيادة جمال عبد الناصر، وأن الولايات المتحدة ستُمنى بهزيمة شبيهة بتلك التي لحقت ببريطانيا وفرنسا، بما يجعل هرمز بداية أفول الهيمنة الأمريكية كما كانت السويس بداية أفول الاستعمار الأوروبي التقليدي.
وقد تبدو هذه المقارنة، للوهلة الأولى، مقنعة. فهناك عدوان عسكري تشنه قوى كبرى، ودولة تتعرض للهجوم لكنها لا تنهار، وأزمة ترتبط بأحد أهم الممرات المائية في العالم، ثم قدرة على الصمود يُراد لها أن تتحول إلى انتصار سياسي.
غير أن هذا التشابه يخفي اختلافًا جوهريًا في طبيعة الأزمتين.
وقبل مناقشة المقارنة، تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين مرحلتين مختلفتين من أزمة هرمز. الأولى تمثلت في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وهو عدوان اختلط بملفات متعددة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني. أما الثانية، فقد بدأت بعد إغلاق مضيق هرمز وتعطيل حرية الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسيةً لأمن الطاقة العالمي، وهو ما غيّر البيئة السياسية للأزمة، وأضعف كثيرًا من الرصيد السياسي الذي كسبته إيران بوصفها دولة تعرضت للعدوان، بعد أن أصبحت هي أيضًا موضع انتقاد بسبب المساس بحرية الملاحة الدولية، كما أوجد ذرائع جديدة لتبرير استخدام القوة ضدها.
غير أن هذا التمييز، على أهميته، لا يغيّر من السؤال الذي يناقشه هذا المقال: هل يصح قياس أزمة هرمز على أزمة السويس، والقول إن نتائجهما ستكون واحدة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين تشابه الوقائع وتشابه النتائج. فالتاريخ لا يعيد نفسه لمجرد تشابه بعض الأحداث، لأن نتائج الأزمات الكبرى لا تصنعها الجغرافيا وحدها، ولا مجرد استخدام القوة، وإنما تصنعها طبيعة القضية، والشرعية السياسية، والبيئة الإقليمية، وميزان القوى، وبنية النظام الدولي.
وأول الفروق الجوهرية أن السويس كانت، في جوهرها، أزمة إنهاء استعمار، بينما هرمز هي، في جوهرها، أزمة صراع قوى.
ففي عام 1956 كان النزاع يدور حول قرار سيادي اتخذته مصر بتأميم شركة قناة السويس العاملة داخل الأراضي المصرية. ولم يكن الخلاف حول حق مصر في السيادة على القناة، وإنما حول مصالح الدول المالكة للشركة. ولذلك بدا العدوان الثلاثي، في نظر أغلبية المجتمع الدولي، محاولة لإخضاع دولة مستقلة لأنها مارست حقًا سياديًا داخل حدودها.
أما أزمة هرمز، فلا تتعلق باستعادة سيادة على أرض أو مرفق وطني، وإنما تتشابك فيها ملفات البرنامج النووي الإيراني، والأمن الإقليمي، وحرية الملاحة في مضيق يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة والتجارة العالمية، فضلًا عن الصراع على النفوذ في الخليج. ولذلك تختلف طبيعة القضية نفسها، ويصبح القياس بين الأزمتين مضللًا منذ البداية.
ويستند كثير من أنصار هذه المقارنة إلى أن العدوان الثلاثي على مصر كان مخالفًا للقانون الدولي، وأن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يثير بدوره أسئلة قانونية مماثلة، وبالتالي فإن تشابه الموقف القانوني سيقود إلى تشابه النتيجة السياسية.
غير أن هذا الاستنتاج يخلط بين شرعية استخدام القوة وطبيعة النزاع الذي استخدمت القوة بشأنه.
فلا شك أن شرعية الحرب تؤثر في تشكيل المواقف الدولية، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة نتائجها. فالنتائج تتحدد أيضًا بطبيعة القضية، وبالتحالفات التي تنشأ حولها، وبالبيئة السياسية التي تفرزها.
لقد كان العدوان على مصر موجهًا ضد دولة بسبب ممارستها حقًا سياديًا داخل أراضيها، بينما جاءت أزمة هرمز في سياق إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا، ثم ازدادت تعقيدًا بعد إغلاق المضيق وتعطيل الملاحة الدولية. ولذلك، وحتى إذا انطلقنا من وصف العدوان الأمريكي الإسرائيلي بأنه مخالف للقانون الدولي، فإن ذلك وحده لا يكفي للقول إن التاريخ سيعيد إنتاج النتيجة التي انتهت إليها أزمة السويس.
ويبرز بعد ذلك اختلاف لا يقل أهمية، وهو البيئة السياسية التي أحاطت بكل أزمة. فقد أصبحت مصر عام 1956 رمزًا لحركات التحرر الوطني، وتحول الدفاع عنها إلى دفاع عن مبدأ إنهاء الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها. أما إيران، فهي اليوم ليست دولة تعرضت لعدوان، وإنما هي أيضًا قوة إقليمية ارتبط نفوذها، خلال العقود الماضية، بدعم جماعات مسلحة والتدخل في الشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية، والانخراط، بصورة مباشرة أو عبر حلفائها، في صراعاتها الداخلية، من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن. ولهذا لم يُنظر إليها، في قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، بوصفها رمزًا للتحرر الوطني، بل بوصفها طرفًا في أزمات المنطقة وصراعاتها، وهو فارق جوهري يفسر لماذا لم يتحول التعاطف مع إيران، رغم العدوان الذي تعرضت له، إلى إجماع عربي وإقليمي كالذي حظيت به مصر في أزمة السويس.
وإذا كانت البيئة السياسية قد اختلفت، فإن المشروع السياسي الذي أحاط بكل أزمة كان أكثر اختلافًا.
فانتصار مصر في السويس لم يكن ثمرة الصمود العسكري وحده، بل كان ثمرة مشروع سياسي حملته إلى العالم. فقد نجح جمال عبد الناصر في تحويل أزمة السويس من مواجهة عسكرية إلى قضية عالمية ضد الاستعمار، وأصبحت مصر رمزًا لحركات التحرر الوطني في الوطن العربي وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وهكذا تجاوز الانتصار حدود الميدان العسكري، ليصبح انتصارًا سياسيًا وتاريخيًا.
أما إيران، فحتى لو نجحت في الصمود أو في إحباط بعض أهداف خصومها، فإن ذلك لا يعني أنها ستتحول إلى مركز إجماع إقليمي أو إلى رمز سياسي عالمي. فالانتصارات التاريخية لا تصنعها نتائج المعارك وحدها، وإنما تصنعها أيضًا المشروعات السياسية التي تخرج منها، ومدى قدرتها على اكتساب الشرعية الإقليمية والدولية.
ويزداد الاختلاف وضوحًا إذا انتقلنا إلى النظام الدولي الذي أحاط بكل أزمة.
فقد وقعت أزمة السويس في ظل نظام ثنائي القطبية، التقت فيه مصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، رغم تنافسهما، على إنهاء العدوان الثلاثي. فالولايات المتحدة لم تكن مستعدة للدفاع عن آخر مظاهر الاستعمار الأوروبي، كما وجد الاتحاد السوفيتي في الأزمة فرصة لتعزيز حضوره في العالم الثالث. وهكذا تعرضت بريطانيا وفرنسا لضغوط متزامنة من القوتين العظميين، وهو ما عجّل بإنهاء العدوان.
أما العالم اليوم، فهو أكثر تعقيدًا وتشابكًا. فالمنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا لا تنتج بالضرورة توافقًا مماثلًا، كما أن تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية يجعل الوصول إلى نتائج حاسمة أكثر صعوبة. ولذلك فإن تعرض الولايات المتحدة لضغوط أو لانتقادات دولية لا يعني وجود بيئة دولية شبيهة بتلك التي فرضت على بريطانيا وفرنسا الانسحاب من مصر.
ويستشهد أصحاب المقارنة أيضًا بقدرة إيران على الصمود، باعتبارها دليلًا على أنها ستخرج بالنتيجة نفسها التي خرجت بها مصر.
غير أن هذا الاستنتاج يخلط بين الصمود والانتصار السياسي.
فصمود مصر لم يكن العامل الوحيد الذي حسم أزمة السويس، بل اجتمع مع عزلة المعتدين دوليًا، وتحول القضية المصرية إلى رمز عالمي للتحرر من الاستعمار، والتقاء إرادة القوتين العظميين على إنهاء العدوان.
أما في الحالة الإيرانية، فإن الصمود ــ مهما كانت أهميته ــ قد يمنع الهزيمة، وقد يفرض على الخصوم إعادة حساباتهم، وقد يعطي إيران وزنًا في التفاوض، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج النتيجة السياسية نفسها، لأن البيئة التي صنعت انتصار مصر لم تعد قائمة.
ويرتبط بذلك عامل آخر كثيرًا ما يُغفل، وهو عامل الزمن.
ففي أزمة السويس كان مرور الوقت يعمل ضد بريطانيا وفرنسا أكثر مما يعمل ضد مصر، إذ كانت كل ساعة تستمر فيها الحرب تزيد الضغوط السياسية والاقتصادية عليهما، بينما كانت مكانة مصر الدولية تتعزز.
أما في أزمة هرمز، فإن استمرار الصراع يفرض أثمانًا على جميع الأطراف، بما فيها إيران نفسها. ولذلك لا يمكن الافتراض أن الزمن سيعمل لصالحها بالطريقة نفسها التي عمل بها لصالح مصر.
ويبقى أكثر أوجه المقارنة تداولًا هو القول إن هرمز ستكون بداية نهاية الهيمنة الأمريكية، كما كانت السويس بداية نهاية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية.
وهذا أيضًا استنتاج يتجاهل اختلاف السياقين.
فبريطانيا عام 1956 كانت قوة استعمارية أخذت مكانتها العالمية في التراجع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجاءت أزمة السويس لتوجه لها الضربة القاضية. أما الولايات المتحدة، مهما كانت نظرتنا إليها، فما تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم وقد تتعرض لاستنزاف أو لإخفاقات، لكن ذلك يختلف عن التحول التاريخي الذي مثلته أزمة السويس بالنسبة لبريطانيا وفرنسا.
إن أفول القوى الكبرى لا تصنعه أزمة واحدة، بل مسار تاريخي طويل تتراكم فيه التحولات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية.
ولهذا فإن المقارنة بين السويس وهرمز تقوم على تشابه في بعض الوقائع، لكنها تتجاهل الاختلافات التي تصنع التاريخ. فقد يتشابه استخدام القوة، أو قدرة الدولة المستهدفة على الصمود، أو أهمية الممرات البحرية، لكن هذه العناصر لا تكفي لاستنساخ النتائج.
فالسويس كانت معركة لإنهاء حقبة الاستعمار التقليدي، وانتهت في ظل ظروف دولية استثنائية أسهمت مصر في صناعتها، لكنها لم تكن صانعتها الوحيدة.
أما هرمز، فهو تعبير عن صراع مختلف في طبيعته وأهدافه وسياقه، تتداخل فيه حسابات الأمن الإقليمي، والبرنامج النووي، وحرية الملاحة، والتنافس بين القوى الكبرى.
وقد تحقق إيران مكاسب سياسية أو عسكرية، وقد تتعرض الولايات المتحدة لاستنزاف أو لإخفاقات، لكن تحويل ذلك إلى نسخة جديدة من انتصار مصر عام 1956، أو اعتباره إعلانًا لهزيمة الولايات المتحدة كما هُزمت بريطانيا وفرنسا، هو تبسيط مخل بالتاريخ، وتجاهل للفروق العميقة بين الأزمتين.
فالتاريخ لا يُقرأ بالتشابهات السطحية، وإنما بفهم اختلاف السياقات. وحتى لو تشابهت بعض الوقائع، فإن نتائج الأزمات لا تحددها شرعية الحرب وحدها، ولا قدرة الأطراف على الصمود وحدها، بل تحددها أيضًا طبيعة القضية، وميزان القوى، وبنية النظام الدولي، والتحالفات السياسية، والمشروع السياسي الذي يولد من قلب الأزمة.
ولهذا ستظل السويس وهرمز قصتين مختلفتين، لا فصولًا من الرواية نفسها.
فالتاريخ لا يكرر نتائجه، وإنما يكرر امتحان قدرة الساسة والمحللين على فهم اختلاف سياقاته.