إن فرض قيود على حرية الحركة للمشائخ وكبار المسؤولين والسياسيين الجنوبيين المتواجدين في الرياض يُعدّ تكتيكاً غير مواتٍ ، وتترتب عليه نتائج عكسية تمس نفوذ المملكة ومكانتها في جنوب اليمن ، بينما يبقى مستقبل الشمال مرهوناً بتقدير الله .
إن الحكمة هي ضالة المؤمن ، وأولى خطواتها ألا تُصغي الرياض للأصوات الانتهازية التي تقتات على الصراع والأزمات ، سواء كانت يمنية أم سعودية .
لن يُقدم القياديون الذين فُكّ قيدهم على إشعال تصعيد إعلامي أو سياسي ضد المملكة ، فالإمارات لن تفرط في علاقتها الاستراتيجية مع السعودية لأجل أي طرف محلي يمني ، ولو كانت لدى أبوظبي رغبة في صدام مباشر ، لما انسحبت قواتها من الجنوب دون شروط ، ولما منعت القادة المحسوبين عليها والذين خرجوا من عدن من الظهور العلني أو ممارسة النشاط السياسي الذي قد يرفع مستوى التوتر .
إن التزام أبوظبي بتحجيم أي نشاط لمن غادروا عدن يعكس حرصاً جلياً على عدم الوصول بالأزمة إلى نقطة اللاعودة ، وبناءً على ذلك يجدر بالرياض التقاط هذه الإشارات السياسية ، ومراجعة الأدوات والأساليب الحالية ، والتحول نحو تكتيكات أكثر مرونة تعتمد الاحتواء واستيعاب النخب الجنوبية لضمان استقرار المنطقة وتأمين المصالح المشتركة .
أن ما يحتاجه جنوب اليمن الان هو التنمية وليس الى استقطابات تعمق الانقسام المجتمعي ، الشعب في جنوب اليمن تطلعاته ومطالبه متواضعة مقارنة مع شعوب المنطقة ، وكان الاجدر حل أزمة الكهرباء بتشييد محطات الطاقة المتجددة للخروج من نفق أزمة الكهرباء والوقود الاحفوري ، والأهتمام بالخدمات وهيكلة الرواتب بما يحفظ للناس كرامتهم .
أن "احتواء الجنوبيين" ليس مجرد تنازل ، بل هو مدخل أساسي لبناء جبهة حليفة صلبة تؤمن حدود المملكة الجنوبية وتضمن استقرار الملاحة في باب المندب وخليج عدن ، و القوى الجنوبية أثبتت ميدانياً أنها الشريك الأكثر فاعلية وتضحية في مواجهة المشروع الإيراني ، و استمرار تقييد قادتها يضعف هذه الشراكة الاستراتيجية .
أتقدم بدعوة صريحة لإطلاق حوار سياسي مباشر بين قيادة المملكة والرموز الجنوبية ، يعتمد على المصالح المتبادلة والشفافية بعيداً عن تقارير المصالح الضيقة .
و يبقى المقياسُ دائمًا أن تقترن كلمةُ الحق بالحكمة والموضوعية والإنصاف ، لتبني وتُصلح وتُقدّم الحقيقة مجرّدةً دون تحيّز .