لا أعتقد أن غياب الدولة وحده هو السبب في انتشار الجرائم التي تتزايد يوما بعد يوم بل إننا افتقدنا أيضا الدور التوعوي للمساجد كما كان يقوم به إمام مسجد القلوعة الشيخ/ منصور مكرد الذي اعتاد بعد أذان العشاء كل يوم وفي خطب الجمعة أن يخاطب الناس بصدق ويذكرهم بالله ويحذرهم من الجرائم والمعاصي والظواهر التي تهدد المجتمع.
كان الشيخ منصور لا يكتفي بالمواعظ العامة بل كان يعيش هموم الناس ويتفاعل مع واقعهم فإذا وقعت جريمة جعل منها درسا وعبرة وإذا انتشرت ظاهرة سلبية واجهها بكل شجاعة ومسؤولية ولم يتردد في التحذير من خطورة الخمور والمخدرات واللواط والاعتداء على حقوق الناس كما كان يتحدث عن غلاء الأسعار والتراحم بين الناس وما يعيشه المجتمع من تحديات إيمانا منه بأن رسالة المسجد لا تقتصر على الصلاة والعبادة بل تمتد إلى إصلاح المجتمع وحماية أفراده وبناء الضمير الحي.
وصحيح أننا افتقدنا بعد الحرب لهيبة الدولة في مواجهة الجريمة لكن مكافحة الجريمة لا تكون بالأجهزة الأمنية وحدها بل تحتاج إلى تكامل الأدوار بين الدولة والأسرة والمدرسة والمسجد فالدولة مسئولة عن فرض النظام وتطبيق القانون والأسرة مسئولة عن التربية والمدرسة مسئولة عن غرس القيم
أما المسجد فهو المدرسة التي تبني الضمير وتحيي الوازع الديني وتحصن المجتمع من الانحراف قبل أن يقع في الجريمة.
لقد افتقدنا حقيقة لعلماء ودعاة يلامسون قضايا المجتمع ويخاطبون الناس بما ينفعهم ويعالجون مشكلاتهم ويعيدون للمنبر رسالته الحقيقية في التوجيه والإصلاح كما كان يفعل الشيخ/ منصور مكرد الذي حمل هموم مجتمعه ولم يخش في الحق لومة لائم فترك أثرا طيبا في نفوس الناس وأصبح نموذجا للكلمة الصادقة التي تبني ولا تهدم وتصلح ولا تفرق.
واليوم وهو يمر بوعكة صحية أبعدته عن منبره نسأل الله عز وجل أن يمن عليه بالشفاء العاجل وأن يلبسه ثوب الصحة والعافية وأن يجزيه خير الجزاء على سنوات طويلة قضاها في الدعوة والإصلاح وتوعية الناس.
كما نسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة علماء وخطباء وأئمة يحملون هموم مجتمعهم ويعيدون للمسجد رسالته الحقيقية في الإصلاح والتوجيه لأن المجتمع لا يحميه الأمن وحده ولا تكفي فيه كثرة المصلين إذا غاب التوجيه الصادق فالدين ليس صلاة فقط بل أخلاق وسلوك وأمانة واجتناب للمعاصي والمنكرات وهذه المعاني لا تبقى حية إلا إذا وجد من يذكر الناس بها من فوق منابر المساجد بالحكمة والموعظة الحسنة كما كان يفعل الشيخ منصور مكرد امتثالا لقوله تعالى...وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين.
والله من وراء القصد