آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-11:29م

من الوهم الإيديولوجي إلى إدارة المصالح: نحو تنظير نهضوي يُحرر الأمة من أسر الماضي

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 09:23 م
عوض عميران


تعيش الأمة اليوم حالة من الاستنزاف الحضاري والفكري، ليس لقلة المفكرين والمنظرين، بل لطبيعة "التنظير" السائد. لقد تحول جزء كبير من خطابات النهضة إلى عملية تدوير مستمرة لسجالات التاريخ، ومحاولة استعادة معارك الماضي بظروفها وأسئلتها وأدواتها. إن الحقيقة الشاخصة التي يجب الامساك بها هي: الأمة لا تحتاج إلى مزيد من الأسرى لأزمات الماضي، بل إلى مهندسين للمستقبل. التنظير المطلوب ليس ذاك الذي يغرق في التوصيف السردي والمظلوميات التاريخية، بل الذي يبني رؤى استراتيجية قادرة على تفكيك تعقيدات الحاضر وصناعة واقع جديد. الركيزة القرآنية: التخطيط لـ "الغد" فريضة شرعية ومسؤولية حضارية ​وهنا ينجلي البُعد الإيماني والروحي العميق الذي يتجاوز مجرد استدعاء التاريخ إلى فرضية صناعة الغد؛ فالوعي الإسلامي الأصيل في جوهره وعيٌ مُتطلعٌ دوماً نحو المستقبل. يضع النص القرآني الخالد القاعدة الصلبة للاستشراف والتخطيط في قوله تعالى: ​﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18] ​هذه الآية الكريمة ليست مجرد دافع للمحاسبة الأخروية الفردية، بل هي دستور إيماني وحضاري لبناء المستقبل. إنها تصنع ربطاً محكماً بين "التقوى" كبوصلة قيمية وأخلاقية، وبين "النظر لغد" كواجب عملي وتخطيطي. ​إن "الغد" في المنظور القرآني ليس مصيراً غامضاً ننتظره بسلبية، بل هو واقعٌ نصنعه اليوم بما نقدّم ونبني من أسباب. فالتقوى الحقيقية لا تتجلى في الاجترار العاطفي للماضي، بل في امتلاك الوعي والشجاعة لإعداد العدة لغد الأمة وأجيالها؛ تحصيناً لكرامتها، واسترداداً لفاعليتها، وتمكيناً لقيمها في الأرض. النموذج النبوي: المرونة الاستراتيجية واستثمار الطاقات تتجلى هذه الحكمة القيادية في أبهى صورها عندما نتأمل في السيرة النبوية المشرفة؛ فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يقف على أطلال الماضي أو يستنزف طاقته في استجرار الثارات والمرارات، بل كان حرصه شاملاً على حقن الدماء وبناء المستقبل. في صلح الحديبية، بينما كان أصحابه راغبين في دخول مكة سلماً لأداء العمرة، وكانت قريش ترى في ذلك كسراً لشوكتها وإهانة لها بين العرب، لم يتردد النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم أقصى درجات المرونة السياسية لحقن الدماء وتحقيق الهدف الأسمى، مؤكداً معيار المرونة والبحث عن الحلول بقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» ولم يقتصر هذا الفقه على القرارات الاستراتيجية الكبرى، بل تعداه إلى إدارة الطاقة البشرية واستيعاب الآخر من أجل المستقبل. فبالرغم مما قام به خالد بن الوليد في الغزوات السابقة ضد المسلمين—ولا سيما تحويله لمجرى غزوة أحد—إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينظر إليه بذهنية الماضي والعداوة الدائمة، بل أرسل إليه رسالة عن طريق أخيه المؤمن الوليد بن الوليد، لافتاً إلى عقله الراجح وقدراته الفذة، وموضحاً أن رجلاً بمثل عقليته ومكانته لو لحق بالمسلمين لوجد له المكانة والتقدير اللائقين. إن هذا السلوك النبوي يعلمنا درسين بليغين: الأول أن السياسي والمنظر النهضوي لا يحصر نفسه في زاوية المغالبة والتصادم الصفري إذا كانت هناك فرصة لحقن الدماء وتحقيق المقاصد، والثاني أن صناعة المستقبل تتطلب فتح الأبواب للكفاءات والعقول، وتجاوز خصومات الأمس لبناء قوة الغد.

التحرر من أسر الماضي: فقه الخروج من التاريخ السجين . من أشد معوقات النهضة إسقاط صراعات القرون الماضية على الواقع المعاصر. إن الاستغراق في تحكيم التاريخ وقراءته بذهنية الأزمة الدائمة يحول الأمة من أمة فاعلة صانعة للشهادة على الناس، إلى أمة منفعلة ومستغرقة في التبرير والدفاع. التاريخ تجربة يُستفاد منها، لا زنزانة نعيش فيها: التاريخ يمنحنا الدروس والسنن، لكنه لا يقدم إجابات جاهزة لمشكلات اليوم مثل التقدم التكنولوجي، وتوازنات القوى العالمية، والتحولات الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية. فك التلازم بين الثوابت والمتغيرات: الثوابت القيمية والدينية هي البوصلة، لكن الوسائل والتطبيقات السياسية والاجتماعية هي وليدة ظروفها الاستثنائية. التقديس ينبغي أن يظل للمبادئ، لا للحظات التاريخية أو الحلول البشرية المبتكرة في أزمنة سابقة. السياسة ليست وحياً: فن إدارة معركة المصالح من الخطايا الفكرية التي أرست الجمود في الخطاب النهضوي: أنسنة الدين وتقديس السياسة. السياسة في جوهرها ممارسة بشرية اجتهادية، تقوم على الموازنة بين المفاسد والمصالح، واستقراء الواقع المادي، وقراءة التوازنات الدولية والإقليمية. "السياسة ليست وحياً ينزل من السماء، بل هي فن إدارة الممكن، وخوض معركة المصالح بوعي واقتدار." عندما نتعامل مع السياسة بوصفها نصوصاً مطلقة وحقائق حتمية، نفقد المرونة الاستراتيجية، ونقع في فخ "الشعارات" التي لا تُطعم جائعاً ولا تبني دولة. إن السياسي والمنظر النهضوي الناجح هو من يدرك: شبكة المصالح المتقاطعة: السياسة لا تُدار بالأمنيات، بل بفهم موازين القوى، وتحقيق المكاسب التراكمية، وتقليل الخسائر. الواقعية الأخلاقية: ليس المطلوب التفريط في القيم، بل تحويل القيم من شعارات مجردة إلى برامج عمل وسياسات عمومية تجد طريقها لتلبية حاجات الشعوب في الكرامة، والعدالة، والكفاية الاقتصادية. المعادلة الذهبية: إخضاع المصالح لخدمة القيم إن الفصل التام بين الأخلاق والسياسة يُنتج براغماتية متوحشة تجرد النهضة من روحها. وفي المقابل، فإن الفصل بين القيم والواقعية يُنتج مثالية عاجزة تتفرج على السقوط. المعادلة النهضوية الحقيقية تنطلق من مفهوم: "إنتاج الواقع لخدمة القيم". القيم هي الغايات: العدل، الحرية، الكرامة الإنسانية، الاستقلال، والتنمية الشاملة.

ولا يقتصر هذا المنهج على التنظير، بل يمكن ملاحظته في بعض التجارب المعاصرة،

ومن النماذج المعاصرة التي تستحق التأمل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في سنواته الأولى وما تلى ذلك من تحويلات على كافة الأصعدة، وصولا الى اليوم، حيث نرى تركيا قد حجزت لها مكاناً ورقما مهما في مجموعة الدول العشرين، و أصبحت فاعلا مهما في حل ازمات المنطقة، ولاعبا سياسياً مهماً على مستوى العالم؛ إذ لم ينطلق من استدعاء صراعات الماضي بين القوى ذات الهوية الإسلامية والمؤسسة العلمانية أو ما عُرف بالدولة العميقة، ولم يجعل من الثأر السياسي أو تصفية الحسابات التاريخية مدخلًا لعمله. بل اتجه إلى بناء رؤية مستقبلية، اعتمدت التخطيط الاستراتيجي، والانخراط التكتيكي في المؤسسات القائمة، والالتزام بالإطار الدستوري والقانوني للدولة، مع الحفاظ على منظومة القيم التي شكلت هويته. وقد أسهم هذا النهج في كسر حالة الصدام المزمنة، وفتح المجال أمام إصلاحات سياسية واقتصادية عززت الاستقرار والنمو، وهو ما يؤكد أن الانتقال من أسر الماضي إلى صناعة المستقبل لا يعني التخلي عن المبادئ، بل إعادة توظيفها بوعي في خدمة الواقع.

المصالح هي الأدوات والساحة: الاقتصاد، التحالفات السياسية، التكنولوجيا، القوة الناعمة والصلبة، والتطوير المؤسسي. بدون امتلاك أدوات معركة المصالح، تظل القيم مجرد نصوص في الكتب أو أحلام على ألسنة الحالمين. إن بناء الواقع الممكن هو الطريق الوحيد لتجسيد القيم في حياة الناس اليومية. نحو المستقبل بخطى واثقة إن مشروع النهضة لن ينطلق برفع حدة الخطاب الشديد ضد التاريخ أو المخالفين، بل بتشييد نموذج حضاري عملي يقدم حلولاً حقيقية لإنسانية اليوم. لقد حان الوقت كي تخرج الأمة من زنزانة السجالات التاريخية العقيمة، وأن تضع مقاليد فكرها في أيدي منظرين يمتلكون شجاعة المراجعة، وبصيرة الواقعية، وعمق الالتزام بالقيم. فالسياسة خوض واعي لمعركة المصالح، وغايتها الأخيرة هي تمكين الإنسان، وإقامة العدل، وبناء أمة تصنع حاضرها بيديها وترسم معالم مستقبلها بوحي من قيمها الراسخة.