آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-11:29م

الرئيس مع حاملة القلم

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 08:26 م
عمر الحار


استدعتني فقرة أوردتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» في خبر عن لقاء فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي بالسفيرة البريطانية عبده شريف، التي تحمل تقاسيم وجهها شيئًا من تفاصيل القارة الهندية، قبل أن تحمل اليوم صفة سفيرة الدولة التي تمسك بقلم الملف اليمني في مجلس الأمن؛ وهي صفة أممية لا حاجة بنا إلى الخوض طويلًا في دلالاتها، بقدر ما تستوقفنا دلالات الدور البريطاني في اليمن، وامتداد حضوره في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة.

لكن ما استوقفني أكثر لم يكن اللقاء في حد ذاته، ولا طبيعة الضيفة، وإنما فقرة جاءت على لسان الرئيس في سياق حديثه عن المرحلة الراهنة، حين قال إن اليمن يدخل اليوم «مرحلة جديدة من استعادة المبادرة»، مستندًا إلى ما تحقق خلال السنوات الماضية من تحولات في ميزان القوى، وإلى إعادة بناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها الوطنية، بما وفر ـ بحسب توصيفه ـ رؤية أوضح، وتماسكًا مؤسسيًا أكبر، وإرادة سياسية موحدة لاستكمال استعادة مؤسسات الدولة.

قد تبدو هذه الكلمات، للوهلة الأولى، جزءًا مألوفًا من خطاب سياسي في لقاء دبلوماسي، لكنها عند وضعها في سياق المسار الذي مضت فيه الرئاسة خلال السنوات الماضية، تكشف عن خيط رفيع يصل بين مراحل متباعدة من المشهد اليمني، ويمنح المتابع فرصة لقراءة التحولات من زاوية أخرى.

فالرئيس هنا لا يتحدث عن حدث بل عن اطار، ولا يقدم توصيفًا لحظةً سياسية منفصلة عن سياقها، وإنما يضع عنوانًا لمرحلة يقول إنها انتقلت من محاولة الصمود أمام تداعيات الحرب إلى محاولة استعادة زمام المبادرة.

وهذه النقلة في المفردات ليست تفصيلًا لغويًا.

فبين «إدارة الأزمة» و«استعادة المبادرة» مسافة سياسية كبيرة؛ الأولى تعني التعامل مع واقع مفروض، بينما الثانية تفترض أن هناك قدرة تتشكل تدريجيًا على صناعة الواقع، أو على الأقل التأثير في اتجاهاته بدل الاكتفاء بمراقبتها.

ومن هنا يمكن قراءة كثير من الخطوات التي شهدتها المرحلة الماضية باعتبارها أجزاءً من صورة واحدة، لا ملفات منفصلة: إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، بناء الأطر العسكرية والأمنية، محاولة توحيد القرار، تعزيز حضور المؤسسات، واستعادة قدر من التماسك الذي يسمح للدولة بأن تتحدث بصوت أكثر وضوحًا عن نفسها وعن مصالحها.

ولعل الأهم في حديث الرئيس أنه لم يجعل «استعادة المبادرة» عنوانًا عسكريًا فقط، بل ربطها مباشرة بمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، ثم أتبعها بعبارات أكثر دلالة: «رؤية أوضح»، و«تماسك مؤسسي أكبر»، و«إرادة سياسية موحدة».

وهنا تحديدًا يكمن جوهر الفكرة.

فالدولة لا تستعيد دورها بمجرد امتلاك القوة، ولا بمجرد إصدار البيانات، وإنما حين تتراكم لديها عناصر القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، ثم الدفاع عنه سياسيًا ودبلوماسيًا، والتحدث إلى الخارج من موقع مختلف عما كانت عليه في مراحل سابقة.

ولذلك ربما لم تكن مصادفة أن تأتي هذه القراءة في لقاء مع سفيرة بريطانيا؛ الدولة التي تحمل قلم الملف اليمني في مجلس الأمن. فحين تتحدث الرئاسة اليمنية عن «مرحلة جديدة من استعادة المبادرة» أمام ممثلة الدولة التي تمسك بأحد أهم مفاتيح الملف اليمني في المؤسسة الدولية، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدود المجاملة الدبلوماسية.

إنها تقول، بصورة غير مباشرة، إن اليمن الذي يُناقش في الغرف الدولية ليس هو اليمن الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في تلك الغرف بوصفه مجرد أزمة مفتوحة، أو ملفًا إنسانيًا، أو ساحة لتوازنات الآخرين.

ثمة يمن يريد أن يستعيد موقعه كدولة، وأن يستعيد معها حقه في أن يكون طرفًا فاعلًا في تحديد مستقبله.

وهنا يصبح من الممكن فهم الفقرة التي أثارت انتباهي في خبر «سبأ» بوصفها أكثر من مجرد سرد رسمي؛ فهي، في تقديري، تحمل شيئًا من حصيلة مرحلة، وشيئًا من ملامح المرحلة التي يريد الرئيس أن يصل إليها.

قد يختلف الناس حول النتائج، وحول سرعة التحولات، وحول ما تحقق وما لم يتحقق، وهذا أمر طبيعي في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام. لكن قراءة خطاب السلطة لا ينبغي أن تنفصل عن قراءة الأفعال التي سبقته، ولا عن الاتجاه الذي تحاول أن تدفع إليه.

فإذا كان اليمن قد عاش طويلًا تحت وطأة سؤال: كيف نوقف الانهيار؟ فإن السؤال الذي يبدو أن الرئاسة تريد الانتقال إليه هو: كيف نستعيد الدولة، ثم كيف نجعلها قادرة على المبادرة؟

وهذا، في حد ذاته، تحول في طريقة التفكير قبل أن يكون تحولًا في موازين القوة.

ولعل المسألة كلها تختصرها تلك العبارة القصيرة: «استعادة المبادرة».

فالمبادرة ليست كلمة تُقال، وإنما حالة سياسية ومؤسسية تتطلب أن تكون للدولة أدواتها، وللقرار حاملوه، وللمؤسسات قدرتها، وللإرادة السياسية طريقها إلى التنفيذ.

وعندما يصبح هذا المعنى حاضرًا في خطاب الرئيس، وفي بنية حديثه عن المرحلة، وفي طريقة تقديم اليمن إلى شركائه الدوليين، فإن الأمر يستحق التوقف عنده.

فربما يكون ما نراه اليوم ليس اكتمالًا للمشهد، بل بداية انتقال من مرحلة استحضار الوعي بالدولة إلى مرحلة استحضار دورها.

وبين الوعي بالدور وممارسة الدور، يبقى الطريق طويلًا.

لكن الفرق أن اليمن، في هذه القراءة، لم يعد يُقدَّم فقط باعتباره بلدًا يبحث عن مخرج من أزمته، بل باعتباره دولة تحاول أن تستعيد أدواتها، وتعيد ترتيب بيتها، ثم تذهب إلى العالم لتقول: لدينا ما نقوله عن مستقبلنا، ولسنا مجرد كلمة في ملف يحمله الآخرون.