في اليمن لا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد بينما يعيش الموظف براتب لا يتجاوز مئة دولار في الشهر في حين أن الحد الأدنى الذي يكفيه لتغطية احتياجاته الأساسية يقارب ألف دولار. هذه الفجوة الكبيرة بين الدخل وتكاليف المعيشة لا تنتج موظفا فقيرا فحسب بل تخلق بيئة خصبة لانتشار الفساد.
عندما يعجز الموظف عن توفير الغذاء والسكن والعلاج والتعليم لأسرته يصبح تحت ضغط الحاجة. ومع استمرار هذا الواقع تتحول الحاجة إلى باب واسع للرشوة والوساطة واستغلال الوظيفة العامة بحثا عن مصدر دخل يعوض العجز الذي تسببت به الرواتب المتدنية.
إن الفساد لا ينشأ من فراغ بل ينمو عندما تفرض على الموظف ظروف معيشية لا تمكنه من العيش بكرامة. ولذلك فإن أي حديث عن الإصلاح ومحاربة الفساد لن يكون ذا أثر ما لم يبدأ بإصلاح منظومة الأجور وربطها بالواقع الاقتصادي وتكاليف المعيشة.
إن الدولة التي تريد بناء مؤسسات قوية ونزيهة لا تستطيع أن تحقق ذلك بتجويع موظفيها. فالرواتب العادلة ليست منحة بل هي أساس للاستقرار والإنتاج والنزاهة. أما الرواتب التي لا تكفي للحياة فإنها تفتح أبواب الفساد وتدفع المجتمع كله إلى دفع ثمن سياسات خاطئة كان يمكن تجنبها.