آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-11:29م

فشل تجربة المجلس الرئاسي... ومسؤولية الانتقال إلى مسار جديد

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 05:39 م
عبدالله الجفري


لقد جاء المجلس الرئاسي في لحظة مفصلية من تاريخ اليمن، وحظي بدعم سياسي وإقليمي ودولي واسع، كما منح صلاحيات كبيرة وأُنيطت به مسؤولية تاريخية تتمثل في إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، وتوحيد القرار السياسي والعسكري والأمني، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة هيبتها، وتحسين أوضاع المواطنين، وإدارة الموارد الوطنية بما يخدم المصلحة العامة. وكانت تلك أهدافاً واضحة لا تحتمل التأويل.


لكن ما الذي تحقق بعد كل هذه السنوات؟


هل تم إنهاء الانقلاب؟ هل تم استعادة الدولة؟ هل توحد القرار السياسي والعسكري والأمني؟ وهل أصبحت مؤسسات الدولة أكثر قوة واستقراراً؟ وهل تحسنت أوضاع المواطنين بعد كل هذه السنوات؟


هذه الأسئلة لم تعد مجرد تساؤلات سياسية، بل أصبحت تعكس واقعاً يعيشه اليمنيون يومياً. فكم من الوقت ينبغي أن ننتظر حتى يُقال بوضوح إن تجربة مجلس القيادة الرئاسي قد فشلت؟ وكم من الفرص يجب أن تضيع، وكم من معاناة يجب أن يتحملها المواطن، قبل أن يتم اتخاذ موقف وطني مسؤول لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة؟


إن الواقع يؤكد أن المجلس الرئاسي لم ينجح في تحقيق الأهداف التي شُكل من أجلها. فلم تتحقق وحدة القرار الوطني، ولم تستعد مؤسسات الدولة قوتها، ولم تتوقف حالة التدهور الاقتصادي والخدمي، بل ازدادت معاناة المواطنين، واتسعت دائرة الفقر، وتراجعت قدرة الدولة على القيام بواجباتها الأساسية.


فبدلاً من أن تكون المرحلة مرحلة بناء مؤسسات واستعادة دولة، أصبحت المحاصصة السياسية عنواناً بارزاً في إدارة السلطة، وأصبحت المناصب والحقائب الحكومية تُدار وفق توازنات القوى أكثر من اعتمادها على الكفاءة والقدرة على الإنجاز. وهذا النهج أضعف مؤسسات الدولة، وأفقدها القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة التي يحتاجها الوطن في هذه المرحلة الحرجة.


إن أخطر ما في المشهد ليس فقط استمرار الأزمات، بل غياب الشعور بالمسؤولية السياسية تجاه نتائجها. ففي الدول التي تحترم شعوبها، تقاس القيادات بما تحققه من إنجازات، وعندما تعجز عن أداء مهامها تتحمل مسؤوليتها السياسية وتفسح المجال لغيرها. أما استمرار الفشل دون مراجعة أو تغيير، فإنه يقوض ثقة المواطنين بالدولة ويضعف مؤسساتها.


لقد أصبح من حق الشعب اليمني أن يقول للمجلس الرئاسي: كفى.


كفى إدارة للأزمات دون حلول.


كفى محاصصة على حساب بناء الدولة.


كفى تجاهلاً لمعاناة المواطنين.


كفى استمراراً لمسار أثبت الواقع أنه لم يحقق أهدافه الوطنية.


ولهذا فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى مراجعة وطنية شاملة لهذه التجربة، والاعتراف بفشلها في تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، والعمل وفق الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لإحداث تغيير وطني ينهي حالة العجز السياسي والإداري، وينقل البلاد إلى مرحلة جديدة قادرة على استعادة مؤسسات الدولة وتصحيح مسارها.


وفي هذا السياق، فإن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والدول الراعية والداعمة للشرعية أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في دعم مسار سياسي وطني واضح يخرج اليمن من حالة الفشل التي وصلت إليها تجربة المجلس الرئاسي، ويساعد على الانتقال إلى وضع أكثر استقراراً وقدرة على إدارة الدولة، وفق الإجراءات الدستورية والقانونية، وبما يحترم إرادة اليمنيين ويحافظ على مؤسسات الدولة وسيادتها.


فالدعم الدولي لا ينبغي أن يكون استمراراً لتجربة أثبت الواقع فشلها في تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، ولم تتمكن من إنهاء حالة الانقسام أو استعادة الدولة أو تحسين أوضاع المواطنين، بل أسهم استمرارها في تعميق الأزمة وإطالة معاناة الشعب اليمني. وإنما يجب أن يكون دعماً لمسار وطني جديد يعيد بناء الدولة على أسس صحيحة، ويمنح اليمنيين فرصة حقيقية لاستعادة دولتهم ومؤسساتهم وتعزيز سيادتهم وكرامتهم.


إن الشعب اليمني لا يبحث عن استمرار الأزمات أو إعادة إنتاج الفشل، وإنما يريد دولة قوية تقوم على المؤسسات والقانون، وقيادة قادرة على تحمل المسؤولية، وإدارة وطنية تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، وتحافظ على سيادة اليمن وكرامة شعبه.


لقد حان الوقت للاعتراف بأن استمرار الفشل ليس حلاً، وأن إنقاذ اليمن يبدأ بتصحيح المسار، واتخاذ خطوات جادة نحو بناء دولة قادرة على مواجهة تحدياتها، قبل أن نخسر المزيد مما تبقى من معالم الدولة.