آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-11:29م

يومياتي في عدن. الحلقة الثانية

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 04:11 م
د. عبدالقادر المحوري


كانت المنصورة محطتي التالية ومنها بدأت رحلة أخرى مع الذاكرة. هنا كانت السكنى والجيران والقربى وهنا تشكلت ملامح سنوات لا تزال حية في الوجدان رغم أن الزمن ترك أثره على الوجوه والأمكنة. ما زالت الحوافي تنبض بالحياة وإن أثقلتها شحوبة الأيام وتجاعيد السنين التي غيرت ملامح كثير ممن كنا ننظر إليهم ونحن في مقتبل العمر فإذا بشبابنا هو الآخر يسرع نحو الكهولة وإذا بمن سبقونا في العمر نجدد لهم كل تقدير ونحن نصافحهم في جوامع الحافة وقد تقدموا صفوف المصلين يؤدون الصلاة على الكراسي بعد رحلة طويلة من العمل والعطاء.

تدفقت الذكريات في ذهني تباعاً حتى بدت وكأنها شريط لا نهاية له يستحيل أن تحتويه حلقة واحدة أو حتى عدة حلقات.

آثرت أن أتجه إلى شارع القصر وأن أتوقف عند مطعم عبدالحق الذي لا يعرف مذاقه الحقيقي إلا من ارتبطت ذاكرته بالمكان ورواده وجلسات الأصدقاء التي كانت تتجدد بين الحين والآخر. أخذت ما أردته سفراً وفي طريق العودة كانت المفاجأة الجميلة حين التقيت وجهاً لوجه بالأستاذ محمد عبدالله مهيوب المهيوبي. كان يتحدث عبر هاتفه وما إن وقعت عيناه علي حتى أنهى مكالمته معتذراً للطرف الآخر لتبدأ لحظات من اللقاء أعادتنا سنوات طويلة إلى الوراء.

كان لقاءً أعاد إلى الذاكرة محطات عديدة مع هذه القامة التربوية والإعلامية والسياسية التي تركت بصمة واضحة في تاريخ عدن. فقد تولى منصب المدير العام للتربية والتعليم بمديرية الشيخ عثمان في زمن كان التعليم فيه أحد أبرز وجوه المدينة المشرقة ثم جمعنا العمل في صحيفة 22مايو في سنوات تأسيسها الأولى حين كان مديراً للتحرير وكان الأستاذ الراحل علي الحقاني رئيساً للتحرير والأستاذ الراحل عبدان دهيس سكرتيراً للتحرير بينما كنا نحن نخط خطواتنا الأولى في عالم الصحافة بعد تجربة سابقة في صحيفة الراية الأم.

ثم جمعتنا لاحقاً ميادين العمل التنظيمي والسياسي حين كان نائباً لرئيس المؤتمر الشعبي العام بعدن في عهد الأستاذ عبدالكريم شائف والدكتور مهدي عبدالسلام بينما كنت أتولى المسؤولية الإعلامية للمؤتمر في واحدة من أكثر المراحل السياسية تنافساً وحيوية عبر الانتخابات المحلية والنيابية والرئاسية التي شهدتها عدن وكانت صناديق الاقتراع يومها عنواناً لحراك سياسي واسع وتنافس مفتوح بين مختلف المكونات.

وكعادته لم يفارق التفاؤل حديث الأستاذ محمد المهيوبي وهو اليوم رئيس المؤتمر بعدن كان يتحدث بثقة الواثق عن مستقبل أفضل ويرى في الأفق بشائر تستحق الانتظار ويؤمن بأن عدن قادرة على أن تستعيد أنفاسها وأن يستعيد الوطن حضوره مهما طال زمن التعب وتعاظمت التحديات فالأوطان في نظر الرجال المخلصين لا تقاس بما تمر به من أزمات وإنما بما تختزنه من قدرة على النهوض من جديد.

وخزات،،

أكثر ما استوقفني في عدن هذه الأيام ليس تغير الوجوه ولا تبدل الأماكن وإنما ذلك التحول الذي أصاب مفهوم النظام نفسه. فعدن مدينة أرادها أهلها أن تكون نموذجاً للنظام والجمال ولكن يبدو وكأن هناك من أراد لها أن تعتاد الفوضى حتى تصبح واقعاً مألوفاً.

أصبح النظام استثناءً وأصبحت الفوضى هي القاعدة. ومن يحاول الالتزام بالنظام أو احترام القانون يوصف وكأنه يعيش خارج الزمن أو أنه لا يزال متمسكاً بعادات لم يعد لها مكان.

تقود سيارتك في طريق له اتجاه واحد فتفاجأ بسيارة تواجهك في الاتجاه المعاكس بكل هدوء وكأن السير عكس الطريق حق مكتسب. وإن لم تكن يقظاً فقد تجد نفسك في حادث لا ذنب لك فيه بينما يمضي المخطئ مطمئناً وكأنك أنت من أخطأ.

ولهذا أنصح مازحاً وجاداً في الوقت نفسه كل من يعاني أمراض القلب أو ارتفاع ضغط الدم أو السكري ألا يحاول أن يستحضر مفهوم النظام أثناء تنقله في عدن هذه الأيام لأن ذلك قد يضاعف معاناته أكثر مما يريحه. فالنظام في إجازة والمرور في سبات والفوضى هي التي تدير المشهد أما القانون فيبدو وكأنه أخذ إجازة هو الآخر.

وما ذكرته ليس إلا جزءاً يسيراً مما يمكن أن يقال. فهناك تفاصيل كثيرة ومشاهد أكثر إيلاماً أفضل أن أتركها لوقتها لأن لكل مقام مقالاً. وستظل هذه اليوميات مجرد وقفات عابرة أسجل فيها ما تراه العين وما يختزنه القلب من حب لهذه المدينة وحسرة على ما آلت إليه. فعدن أكبر من أن تختصرها الملاحظات وأجمل من أن تختزلها الفوضى وأعظم من أن تفقد قدرتها على النهوض مهما طال انتظارها.

يتبع..