الخصوصية الرقمية في عصر
اقتصاد البيانات
د. هبة العيدروس
تعد الخصوصية الرقمية من أبرز القضايا التي فرضها العصر الرقمي، بعدما أصبحت البيانات الشخصية تُمثّل موردًا اقتصاديًا بالغ القيمة. وقد برزت خطورة هذه القضية بوضوح في فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" التي بدأت عام 2013 عندما طوّر الباحث ألكسندر كوغان تطبيقًا على فيسبوك تحت اسم "هذه هي حياتك الرقمية"، على أنه اختبار نفسي بسيط.
وافق نحو 270 ألف مستخدم على استخدامه، لكن التطبيق لم يكتفِ بجمع بياناتهم، بل استغل ثغرة في سياسات فيسبوك للوصول إلى بيانات أصدقائهم دون علمهم أو موافقتهم. وانتقلت هذه البيانات لاحقًا إلى شركة كامبريدج أناليتيكا التي استخدمتها في إعداد ملفات نفسية دقيقة لملايين الناخبين الأمريكيين وتوجيه رسائل دعائية مصممة للتأثير في قراراتهم.
وعندما كُشفت القضية في عام 2018، تبيّن أن بيانات نحو 87 مليون مستخدم/ة وصلت إلى طرف ثالث دون رضاهم، مما تسبب في خسائر كبيرة لفيسبوك واستدعاء مؤسسها مارك زوكربيرغ للمساءلة، كما أكدت السلطات الأمريكية أن الشركة ضللت المستخدمين بشأن كيفية جمع بياناتهم واستخدامها.
لم تكن هذه الواقعة حدثًا منفردًا، بل كشفت عن واقع اقتصادي جديد يعتمد على جمع البيانات وتحليلها واستثمارها بصورة مستمرة. فكل تطبيق أو موقع إلكتروني أو جهاز ذكي يستخدمه الأفراد يجمع معلومات واسعة عن اهتماماتهم، وتحركاتهم، وعاداتهم اليومية، بهدف تحسين الخدمات أو توظيفها لأغراض تجارية أخرى.
غير أن الإشكالية لا تكمن في جمع البيانات بحد ذاته، إنما في غياب الموافقة المستنيرة نتيجة طول وتعقيد سياسات الخصوصية، واتساع نطاق الجهات التي تتداول هذه البيانات دون معرفة المستخدم، إضافة إلى تزايد حوادث الاختراق وتسريب البيانات حتى أصبحت ظاهرة متكررة، وهو ما يجعل مسؤولية حماية الخصوصية مشتركة بين المؤسسات والمستخدمين على حد سواء.
وفي مواجهة هذا الواقع، لا تعتمد حماية الخصوصية على التشريعات أو التزام الشركات فقط، إنما تبدأ بإجراءات عملية يمكن للأفراد والمؤسسات تنفيذها بسهولة، مثل:
● تفعيل المصادقة الثنائية للحسابات المهمة،
● إجراء مراجعة دورية للتطبيقات المرتبطة بالحسابات الإلكترونية وإلغاء غير المستخدمة،
● الاطلاع على النقاط الأساسية في سياسات الخصوصية المتعلقة بن
وع البيانات المجمعة، والجهات التي تشارك معها، وإمكانية حذفها.
● استخدام أدوات تقنية مثل: مديري كلمات المرور ومتصفحات حجب المتتبعات.
● الاستفادة من حق حذف البيانات الذي تكفله بعض التشريعات.
لقد أصبحت الخصوصية الرقمية مهارة حياتية أساسية وليست ترفًا تقنيًا، حيث يمكن حماية البيانات الشخصية للأفراد بخطوات بسيطة لكنها فعّالة، في عالم أصبحت فيه كل معلومة شخصية ذات قيمة اقتصادية يمكن استغلالها إذا لم تُحمَ بالشكل المناسب.