آخر تحديث :الثلاثاء-01 سبتمبر 2026-08:36ص

الجنوب العربي ٫٫من التسمية الجغرافية إلى مشروع التقسيم"

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - الساعة 03:17 م
عبدالرحيم المحوري


في زمن كثرت فيه الشعارات وقلّ فيه الوعي، تصبح الكلمة أخطر من الرصاصة. ونحن اليوم أمام مصطلح يُعاد تدويره في المشهد السياسي بلا إدراك لخلفيته التاريخية وخطره القانوني. مصطلح "الجنوب العربي" الذي يقدمه البعض على أنه عنوان لهوية، هو في الحقيقة عنوان لمشروع تقسيم قديم. لذلك وجب أن نعيد كتابة التاريخ، لا من باب التكرار، ولكن من باب التذكير والتحذير.*


*سأعيد هذا الموضوع رغم أني كتبت عنه عدة مرات، ولكنه بحاجة أن يعاد الكتابة عنه. والسبب أننا أصبحنا لا نعي ولا ندرك خطورة بعض المصطلحات، بالذات عندما يتصدر المشهد السياسي أشخاص غير ملمين وغير مدركين لهذه الخطورة.*


*الجنوب العربي مصطلح يُطلق على اليمن بشكل عام. فقد أطلق عليها الرومان والإغريق قديماً "العربية الجنوبية" لأنها تقع في الجنوب من أرض العرب، أي من شبه الجزيرة العربية التي كانت تعتبر هي بلاد العرب فقط في تلك الأزمنة القديمة. فبني عدنان في وسط وشمال الجزيرة، وبني قحطان في جنوبها، وكذلك الشعوب العربية الأخرى التي بادت وتوزعت بين شمال الجزيرة وجنوبها.*


*فحتى اسم "اليمن" نفسه جاء من اسم الجنوب. لذلك يُقال لنجم سهيل "النجم اليماني" ليس لأنه يطلع من اتجاه اليمن، بل لأنه يطلع من الأفق الجنوبي للأرض. وكذلك هناك "باب اليمن" وهو الباب الجنوبي لصنعاء، وهو أحد أبواب صنعاء الثمانية التي تهدمت بسبب الحروب ولم يبق منها إلا الباب الجنوبي والذي يُقال له باب اليمن. كما هناك قبائل "خولان الشام" و "خولان اليمن" وكليهما قبائل تسكن اليمن، وإنما قيل لهن ذلك للتفريق بينهن، أي إحداهما في الشمال والأخرى في جنوبها. كما أن هناك موضع يُقال له "نخلة اليمانية" وهو في الحجاز، والسبب أنه يقع في جنوب موضع آخر يحمل نفس الاسم يُقال له "نخلة الشامية".*


*من خلال كل ذلك يتضح أن مسمى "الجنوب" يُطلق على اليمن ككل، وكلما كنت جنوباً أكثر فأنت أكثر يمانية. لذلك قال شاعر كندة في زمن الجاهلية امرؤ القيس الكندي:*

*"دمون نحن معشر يمانيون "*


*أما في الزمن الحديث وبعد نشأة الأمم المتحدة وقيام مجلس الأمن بعد الحرب العالمية الثانية، والتي نصت مواثيقهم على إبقاء حدود الدول كما هي عليه بعد تكوين تلك الهيئات، لكي لا تصبح الحدود حسب مزاجية الدول وكلٌ يرى أنه كان دولة تضم أقاليم أخرى وغير ذلك، وهي من الأسباب التي قامت بسببها الحروب العالمية، لذلك اتفقت عصبة الأمم على الحدود المتعارف عليها لكل دولة. لذلك كان شمال اليمن دولة يحكمها الأئمة تحت اسم "المملكة المتوكلية"، وكان جنوب اليمن تحت حكم الإنجليز.*


*فعند قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 أطلق الثوار اسم "الجمهورية العربية اليمنية" على دولتهم. بينما في الجنوب اليمني عملت بريطانيا كعادتها عندما تعمل كيانات داخل الكيان الواحد لعمل نزاعات مستقبلية، لذلك عملت اتحاداً بين السلطنات والمشيخات الغربية فقط وسمت ذلك الكيان "اتحاد الجنوب العربي". وهذا الكيان لا يضم حضرموت والمهرة وأجزاء من شبوة فيما يُعرف بسلطنة الواحدي. وكان الهدف من ذلك هو عدم اتحاد جنوب اليمن في حالة خروجها.*


*لذلك فهم الثوار لهذا العمل الخطير وأسقطوا المحميات الشرقية قبل سقوط عدن، لأن سقوط عدن قبل سقوطها يعني إعلان استقلالها كدولة بذاتها. وهذه الخطوة تُحسب لثوار الجبهة الوطنية التي يحاول البعض اليوم الانتقاص من نضالها، وهي التي أرغمت المحتل الإنجليزي على الخروج وأفشلت مشاريعه. لذلك لا غرابة أن هوجمت بعد ذلك من السائرين في تبعية مشاريع الاحتلال البريطاني، والذين يحاولون إحياءها مرة أخرى في المنطقة بإعادة مثل هذه المسميات.*


*في الأخير نقول لهؤلاء المنادين باسم "الجنوب العربي": هل تريدون جنوباً دون حضرموت والمهرة وأجزاء من شبوة؟ فهذا مشروع بريطاني سعودي وأنتم تعلمون ذلك بقصد ووعي أو بدون وعي. أما من أراد مشروع فك ارتباط واستعادة دولته، فنحن دخلنا الوحدة باسم "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، وعبر هذا الاسم نعيد دولتنا. أما الأسماء الأخرى فهي تعطي الآخرين ذرائع لأننا جزء من دولتهم، وأننا نريد انفصالاً مثلنا مثل جنوب السودان وأكراد العراق وسوريا وإيران وغير ذلك. وهذا يجعل الأمور صعبة للغاية، لأن من الصعب إعطاء أي أقاليم تريد تكوين دولة بذاتها الانفصال عن دولتها الأم، إلا في حالات نادرة وهي عندما يكون لدول الغرب مأرب في السيطرة عليها مستقبلاً ونهب مواردها. والمشكلة حتى لو أُعطينا ذلك فستكون دون الأقاليم الشرقية الغنية بالثروات والتي يسعى الآخرون للاستحواذ عليها وضمها إليهم.*


*إن معركة المصطلحات هي معركة هوية ومصير. فإما أن نتمسك بالاسم الذي خاض به آباؤنا معركة الاستقلال ودخلوا به الوحدة، وهو "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، وإما أن نقع في فخ الأسماء الاستعمارية التي تريد أن تعيدنا إلى دويلات متفرقة ضعيفة. التاريخ لا يرحم، والشعوب التي تنسى دروسها محكوم عليها أن تعيد أخطاءها. فليختر كلٌ موقعه: مع مشروع استعادة الدولة كاملة، أو مع مشروع إعادة إنتاج التقسيم.*