آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-12:02ص

الرباش ينفذ مشروع إعادة اللُّحمة الأبينية

الإثنين - 03 أغسطس 2026 - الساعة 07:44 م
المحامي مختار راجح


ليس هذا تمجيدًا لنفسي، وإنما هو مجهرٌ فكري استخدمته منذ أن أنشأت مجتمع سفينة نوح للإنقاذ الوطني، الذي وصل إلى ثلاثة وثلاثين جروبًا ضمَّ كبار مثقفي المحافظة وجميع أعضاء السلطة المحلية. وكانت تلك المجموعات عبارة عن حلقاتٍ للنقاش، لا للتهميش أو الانتقاص، وإنما للبحث والتمحيص في مشكلات الوطن، من خلال دراسةٍ واقعية مدعومة بالأدلة والإثباتات، بذلت فيها كل جهدي لإيضاح الثغرات التي ينفذ منها أعداء الوطن، والكشف عن مكامن الخلل التي أضعفت الجنوب طوال حقب التاريخ.


وقد كنتُ، ومعي بقية مديري عموم مديريات يافع، وقبائل يافع، من المقتنعين بما ورد في هذه الدراسة، لما تضمنته من طرحٍ لحلٍّ نهائي لوضع الجنوبيين عمومًا، وإنهاء الأدوار المتكررة منذ إقامة قحطان الشعبي، وما أعقبها من أحداثٍ وصراعاتٍ تركت آثارها العميقة في الجنوب.


وقد اكتشفت، من خلال العرض الذي قدمته في هذه الدراسة، أن حقب التاريخ تشهد بأن الداء الحقيقي يكمن في اختلاف الرؤية القائمة على الإقصاء والتهميش، وأن الدواء لا يكون إلا بإعادة اللُّحمة الأبينية، من سباح إلى بئر علي؛ لأن ذلك هو الجرح الغائر الذي أضعف أبين، ومتى ضعفت أبين ضعف الجنوب.


فسعت فئةٌ إلى الاستحواذ على أبناء يافع، الذين هم في الأصل أبناء أبين وجزءٌ لا يتجزأ منها، بهدف خلق وتنفيذ نعراتٍ أنانية لا ترتقي إلى مستوى الوطن، وحملت لواء تقسيمه إلى طائفتين عبر التاريخ. وكانت يافع تمتلك القوة والعدد، لكنها لم تنجرَّ إلى تلك المخططات التي كانت تستهدف النيل من لُحمة أبين، إلا دون علمٍ أو إدراكٍ بحقيقة تلك المخططات، بينما استفادت الطائفة الأخرى من رجال المال وأصحاب القوة والنفوذ، حتى أصبحت قوةً موازية لما كانت ستكون عليه لو بقيت اللُّحمة الأبينية على طبيعتها. ومع ذلك، استطاع أصحاب تلك المخططات الوصول إلى هدفهم، فتم إضعاف أبين، رغم أنها كانت وما تزال قادرةً على التأثير في مصير هذا الوطن.


وبعد عرض الداء واختبار الدواء، استمر تواصلنا مع مديري عموم مديريات يافع، وبمساندة عددٍ من مديري العموم، وفي مقدمتهم الأخ ياسر العمودي، والأخ حسين القحيم، والأخ بسام الطالبي، حيث بدأنا بتأصيل هذه الفكرة، وتداولناها مع قبائل يافع، وشرحنا لهم أثر هذا المشروع وأسبابه ونتائجه. وقد اقتنع الجميع بأن مرارة التاريخ وصراعاته كانت نتيجة الاستحواذ على جزءٍ يمتلك القوة والعدد من أبناء أبين، دون اعتماد معيارٍ سياسي عادل لبناء الدولة، وإنما لخلق فصيلٍ كان هدفه السلطة لا الدولة، وكان همه إدخال الجنوب في صراعاتٍ داخلية متكررة.


وكنتُ من أكثر المتحمسين لهذه الفكرة، وأنشأت، بدعمٍ من عددٍ من الإخوة، أكبر تجمعٍ وطني جنوبي وأبيني خاص بالدعوة إلى اللُّحمة الأبينية. وقد شدَّ من أزري الأخوان حاجب علي وشاكر أحمد، اللذان كانا كلما فترت همتي أعادا إليها العزيمة والإصرار. ووضعنا لهذا المشروع عددًا من المرتكزات، أهمها:


- أن اللُّحمة الأبينية ليست مشروعًا انتقاميًا، وإنما مشروعٌ إنساني يحفظ استقرار الوطن.

- أن اللُّحمة الأبينية ستُنهي الخلافات التي وُضعت عقباتٍ في طريق الوطن.

- أن اللُّحمة الأبينية ستُضعف أسباب الصراع بين الطائفتين، وتُنهي حالة الاحتقان التي استمرت عبر الحقب التاريخية، لأن من كانوا يؤججونها لن يبقى لهم التأثير ذاته في تقرير مصير الوطن.


كان الحلم كبيرًا، وكانت الإمكانيات بسيطة، فتوليت الترويج لهذه الفكرة عبر الصحف، وكان من أبرز ما نشرته المقال الذي أحدث أثرًا واسعًا بعنوان «لُحمة أبين الكبرى»، ثم مقال «يافع صقور أبين الجارحة»، ثم «أدب وحديث الإفك»، حيث شرحت فيها معاني اللُّحمة الأبينية وأهدافها.


وها نحن اليوم نتفاخر بأننا كنا من أوائل من دعا إلى إنهاء أسباب الخلاف، لتعود أبين الكبرى كما كانت.


وإن ما قام به الأخ محافظ محافظة أبين إنما هو تحقيقٌ لحلم كل أبناء أبين، ولولا تلك الجهود لما توحدت أبين تحت هيبة هذا الرجل، بما ينسجم مع أهداف الدراسة التي كنا ننقلها بين المديريات وشيوخ القبائل، وعلى نفقتنا الخاصة، والتي كانت تهدف إلى إضعاف دعاة النعرات والانقسامات منذ عهد قحطان الشعبي، وسالمين، وعلي ناصر محمد، وعبد ربه منصور هادي، حيث شهدت المراحل المتعاقبة تكريس صورٍ جديدة من الإقصاء لإحدى الطائفتين.


وحتى عام 2015 حكمت طائفةٌ من أبناء أبين، بينما بقيت الأخرى مهمشة، لأن الفكر السائد عبر مراحل التاريخ كان يقوم على مبدأ ضرب أبين بأبين، ليصبح غيرهم قادةً للوطن، بينما نكون نحن مجرد جنودٍ وحراس نقاط.


وفي الختام، لا يسعني إلا أن أقول: أبخًا أبخًا للدكتور مختار الرباش على جهوده في إعادة اللُّحمة بين أبناء أبين، كما لا ننسى دور الكوادر وكبار المثقفين من أبناء أبين الذين أسندوا ظهورنا بتشخيص الداء ووصف الدواء.


وبإذن الله، يكون ذلك بدايةً لنهاية عهد الحروب والانقسامات، وتعود أبين إلى مكانتها الطبيعية، بوصفها المحافظة التي تسهم في رسم مسيرة الوطن وصناعة مستقبله.