آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-12:05ص

ناصر محمد عوض عزان.. سيرة رجل صاغته المعارك فصار للمبدأ عنواناً

الإثنين - 03 أغسطس 2026 - الساعة 06:26 م
حسين سالم السليماني


حين تتطابق الأسماء على المسميات، وتتأنسن الأماكن بسيرة ساكنيها، وتتقاطع دروب التواريخ مع صليل الحراك ونبض الوطن؛ يبرز لنا رجال كُتبت أسماؤهم بمداد الفخر والصلابة على صفحات الدهر. وما ميلاد شخصيتنا الفذة اليوم إلا ومضة في تاريخ أمة، إذ توافق مع مخاض ثوري عارم مرّت به البلاد العربية؛ ففي الثامن والعشرين من سبتمبر لعام 1961م، تنفست صنعاء عبق الثوار، وفي ذات الأيام أبصرت عيناه النور، ففتحهما على أجيال تصطلي بنار التحدي والصمود، وكأن الأقدار كانت ترسم ملامح ملحمة إنسانية فريدة.


كان منزل والده المناضل يضج بخطى الأحرار ويغدو مزاراً للوافدين من كل فج عميق بالمديرية؛ فنشأ في حضن الثورة كغرس نقي ينمو شامخاً على صخر العزيمة. وحين استشهد والده وهو طفل يافع، لم تزده النازلة إلا ثباتاً ورسوخاً، فصاغت منه الأقدار رجلاً لا يلين ولا يذبل أمام عصف الأيام. وكيف يطاله الانكسار وهو الذي رضع طهر الأرض من أسرة كادحة تمارس فلاحة الطين، فاتخذت من الصخور الصلبة لبنات تستقيم في وجه العواصف! لقد تحول بيتهم المتواضع إلى معقل ثوري حصين يقارع الاستعمار البريطاني، وكان والده -رحمه الله- عضواً بارزاً في مركز "الوضيع"، مسجلاً في سفر النضال صفحات من إباء لا يُمحى ولا يطويه النسيان.

ترعرع الأستاذ ناصر في بيئة تغتلي بالهمّ الوطني، وشهد بدمع العين وعنفوان الصدمة يوم استشهاد والده في الرابع عشر من مايو لعام 1968م. ولم يكسره الحزن أو يدفعه للانطواء، بل مشى بخطى واثقة نحو "مدرسة الشهيد باروت الابتدائية". وهناك، أحاطه برعاية فائقة الأستاذ القدير الخضر عبدالله أحمد الحداد -الذي قام مقام الوالد بحنو بالغ- والأستاذ ناصر عبدالله قنان الذي تربطه به قرابة عائلية. هذه المتابعة الحانية صقلت تفوقه وأبرزت معالم شخصيته الوضاءة، لاسيما وأن أولئك المعلمين الأجلاء كانوا من طليعة النشطاء في المديرية. ولم يكتف بمدارس التعليم، بل غطى روحه في المسجد الكبير متلقياً القرآن الكريم على يد إمام وخطيب المسجد السيد صالح، ليغذي روحه بفيض الإيمان.

تنوّعت دراسته الإعدادية بين مدرسة "باروت" ومدرسة "الشهيد السيد صالح عيدروس"، قبل أن يرتحل إلى "لودر" طلباً للعلم في السنة الثالثة. غير أن الأقدار رمت على عاتقه مسؤولية الأسرة ليكون هو السند والعمود الفقري لها، فاضطر لمغادرة مقاعد الدراسة ليشق طريق العمل، ملتحقاً بسلك التربية والتعليم في الثامن من فبراير لعام 1977م معلماً جيلاً بأسره، يضيء لهم عتمة الجهل بسراج معرفته.


لم تكن السنوات سوى مرآة تصقله وتزيد معدنه الخالص توهجاً؛ ففي الصف السادس الابتدائي، برز نشاطه الطلابي جلياً ضمن منظمة "الطلائع" التابعة لاتحاد شباب اليمن الديمقراطي آنذاك. عُيّن رئيساً لمجموعات في مدرسة "باروت"، ثم رئيساً للمجلس الطلائعي بالمديرية. وفي مطلع المرحلة الإعدادية، اختير ليمثل أطفال اليمن في معسكر صيفي بجمهورية تشيكوسلوفاكيا السابقة، محلقاً بأحلامه في آفاق أوسع.

هذه الرعاية المبكرة من الأستاذ صالح مهدي صالح -الذي رعى شريحة الشباب بحنكة واقتدار- أنضجت الوعي الجماهيري والسياسي لدى ناصر، فانخرط في صفوف الحزب الاشتراكي اليمني مع بدايات تعليمه الإعدادي. وحين التحق بالتدريس، تنقل بين مدارس "الشهيد علي أحمد أَمزَنو" في "أَمكدو"، ومدرسة "باروت"، ومدرسة "الشهيد السيد صالح عيدروس"، معلماً لمادة الرياضيات. وهناك، كان يروض الأرقام الصعبة ويضعها في نصابها السليم؛ لا يعرف الميل ولا الدوران، بل كان كالأرقام؛ صادقاً، قاطعاً، لا ينطق إلا بالمنطق السليم. إن هذا الوضوح الصارم لم يمر بسهولة أمام المنافسين في ميادين العمل السياسي وغيره، لكن الطموح العالي لا يستهين بالعقبات مهما كانت قساوتها.

وفي عام 1981م، نال شرف الترشح للدراسة في المدرسة الحزبية للعلوم الاجتماعية والسياسية بزنجبار. لاحقاً، عُيّن عضواً في لجنة مركز، بالمديرية، للحزب الاشتراكي ورئيساً لمنظمة لجان الدفاع الشعبي حتى عام 1984م، وتولى إدارة الدائرة الاقتصادية للحزب في المديرية، ليترأس إلى جانب هذا منظمة اللجان الشعبية حتى عام 1986م. وعقب أحداث يناير، غادر أرض الوطن مع ثلة من رفاق الرئيس السابق علي ناصر محمد، ليُعيّن قائداً لفصيلة في اللواء المدفعي، ثم ارتحل إلى الجماهيرية الليبية، عائداً بعدها إلى وطنه وسلكه التربوي الذي طالما عشقه.


جاءت حرب عام 1994م لتلقي بظلالها الكالحة، فزُجّ به وبإخيه المناضل عبدالله ناصر عبدالله قنان في غياهب السجون بتهم هما منها براء كبراءة الذئب من دم يوسف. لكن الغرس الثوري في روحه الأبيّة لم ينحن قط أمام الظلم، ولم يخش في الحق لومة لائم.

ومع انبلاج فجر الحراك الثوري الجنوبي، كان الأستاذ ناصر في طليعة المؤسسين، حاملاً لواء الكلمة الحرة رئيساً للدائرة الإعلامية، ثم رئيساً للمجلس الثوري بالمديرية، حتى أطلّت حرب الحوثي البغيضة، ليثبت للجميع أنه رجل مبادئ لا تتبدل ولا تهتز. وفي عام 1998م، ومع انطلاق المدارس المحورية، رشح من مدرسته (الشهيد السيد صالح عيدروس) لتكون مدرسة محورية، فبرز وتألق مدرباً على مستوى المديرية، ثم المحافظة، وصولاً إلى اختياره عضواً ضمن فريق التدريب على مستوى محافظات الجمهورية، ليأتي التكريم الطبيعي نصيبه في يوم العلم عام 2004م بعد أن بلغ درجة "مدرب وطني" ومستشاراً في وزارة التربية والتعليم. ومع ذلك، لم تُثنه مراحل الظلم عن مبادئه حين تعرض للفصل، فظل شامخاً كالجبال.

تولى رئاسة المجلس الانتقالي في مديرية الوضيع حتى عام 2020م، ثم انتخب عضواً في الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي. وهناك، لم يتوان عن صدع الحق وتقويم الاعوجاج حين تقتضي الأمانة النقد والمراجعة، ووقف بجرأة نادرة وشجاعة منقطعة النظير مع قضية المخفي "عشال" -ابن المديرية- غير مبال بالانتماءات الحزبية أو الضغوط المالية أو السياسية الضيقة. وحين دفع ثمن شجاعته، لم تتردد يده في تقديم استقالته من المجلس الانتقالي، انتصاراً للحق العام الذي لم يكن وليد قضية عشال وحدها، بل امتداداً لمواقف سابقة صرخت بوجه التجويع، وتردي الخدمات، والانفلات الأمني. كما سُجلت له بصمات بيضاء وخالدة في وضع اللبنات الأولى لمشروع مياه الوضيع.


وأخيراً، وكأي وطني خالص يعشق التراب، رأى أن أوفى العهود هو العيش بقرب من يستحقون الجهد والوفاء. فلم يجد ملجأً أصدق من رحاب الأرض والزراعة؛ فأبدع مرئيات ووثق فيديوهات توعوية عن زراعة الوضيع، مناصراً للبسطاء، ومؤكداً أن أرض الوضيع بكر ومعطاءة للاستثمار الزراعي، فضلاً عن غناها بالصخور الصالحة للبناء والأحجار الكريمة. ومن رحم هذا العشق، افتتح "مركز فاطمة للأحجار الكريمة" تيمناً باسم أمه، طامحاً في أن يكون المركز منارة تدريبية تسندها الدولة لتطوير هذه الثروة الوطنية وتسويقها.

ما زال الأستاذ ناصر عزان يعيش طقوس بساطته العفية، متمثلاً مقولته الشهيرة بذات روح الفيلسوف البسيط:

[أنا هنا جالس على هذه الصخرة].


إنسان يحب الناس من صميم قلبه، يفرح لفرحهم، ويحمل همومهم في حزنهم.

فلك التحية يا أستاذنا الجليل من أبناء الوضيع قاطبة، ومن كل شريف في هذا الوطن الأغلى. ستظل دوماً رمزاً خالداً للمبادئ الشامخة في وجدان الأجيال، ومناراً يهدي السارين في درب الكرامة والإباء.