آخر تحديث :الثلاثاء-15 سبتمبر 2026-12:32م

ما بعد النفط: استعادة الدولة أم إعادة إنتاج اقتصاد الحرب؟

الإثنين - 03 أغسطس 2026 - الساعة 08:57 ص
نايف حمود العزي


يتجاوز النفط في اليمن كونه موردًا اقتصاديًا، فهو يعيد تشكيل قدرة الدولة على ممارسة وظائفها الاقتصادية. فقد أعادت سنوات الحرب توزيع مصادر الدخل، ونقلت أجزاءً من هذه الوظائف إلى ترتيبات موازية، ورسخت شبكات مصالح نشأت في ظل غياب المورد السيادي. لذلك، تأتي عودة صادرات النفط والغاز إلى اقتصاد أعادت الحرب تشكيل مصادر دخله ومراكز نفوذه.

يفترض هذا التحليل أن استئناف الصادرات يعيد تشكيل الحوافز الاقتصادية قبل أن تنعكس آثاره على الإيرادات. فعودة المورد السيادي ترفع قيمة المؤسسات والقرارات المرتبطة بإدارته، وتزيد العائد المتوقع من التأثير في الوظائف المالية والنقدية للدولة. وبذلك، تدخل البنية الاقتصادية التي تشكلت خلال الحرب مرحلة جديدة تتغير فيها مواقع المصالح ومجالات النفوذ.

وتقف الإيرادات العائدة أمام مسارين: إما أن تتحول إلى أساس لإعادة بناء قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد، وإما أن تستوعبها البنية الاقتصادية التي تشكلت أثناء الحرب، فتُوظَّف داخل شبكات النفوذ القائمة وتدعم استمرار آلياتها.

أولًا: استعادة القدرة المالية للدولة

أدى توقف صادرات النفط والغاز إلى تعطل القدرة المالية للدولة قبل أن يؤدي إلى فقدان الإيرادات. فمع غياب المورد السيادي، تراجعت قدرة الموازنة العامة على تعبئة الموارد وتخصيصها، وانكمش دور السياسة المالية في توجيه الإنفاق، وانخفضت فاعلية أدوات السياسة النقدية مع انقطاع تدفقات النقد الأجنبي. وفي هذا الفراغ، اتسعت مساحات التمويل الموازي التي أدارتها شبكات المصالح المرتبطة باقتصاد الحرب.

يعيد استئناف الصادرات إدماج المورد السيادي في الدورة المالية للدولة. فالأثر الاقتصادي للنفط لا يتوقف على تدفق عائداته، وإنما على انتظامها داخل موازنة موحدة، ودعمها لسياسة مالية مستقرة، وسياسة نقدية قادرة على إدارة سوق الصرف وتوفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل الواردات. وبذلك يصبح المورد السيادي ركيزة لاستعادة القدرة المالية للدولة.

يرتبط نجاح هذه المرحلة بقدرة الدولة على إعادة دمج الإيرادات داخل منظومة مالية تعمل وفق قواعد مستقرة. فكلما انتظمت دورة التحصيل والإنفاق، استعادت المالية العامة دورها في تعبئة الموارد وتخصيصها، وعادت الموازنة إلى أداء وظيفتها بوصفها أداة لتخصيص الموارد العامة، لا مجرد قناة لتوزيع الإنفاق.

ثانيًا: إعادة ترتيب مراكز النفوذ الاقتصادي

أعاد غياب المورد السيادي توزيع مراكز النفوذ الاقتصادي خلال سنوات الحرب. فتحولت الجبايات، والتجارة غير الرسمية، والمساعدات، والتدفقات النقدية إلى مصادر رئيسة لتراكم الثروة والنفوذ، وتشكلت حولها مراكز قوة تكيفت مع اقتصاد الحرب. ومع استئناف صادرات النفط تدخل هذه البنية مرحلة يعاد فيها ترتيب القيمة الاقتصادية للمؤسسات التي تدير المورد السيادي.

وتستعيد المؤسسات المرتبطة بإدارة المورد السيادي قيمتها الاقتصادية مع عودة الإنتاج، والتحصيل، والإيداع، والتخصيص، والإنفاق. فكلما ارتفعت قيمة الإيرادات، ارتفع العائد المتوقع من التأثير في هذه القرارات، وانتقلت المنافسة من الموارد التي أفرزتها الحرب إلى المؤسسات التي تدير المورد العائد، لأن النفوذ على القرار المالي يصبح أكثر قيمة من النفوذ على المورد ذاته.

وتزداد حدة هذه المنافسة في ظل محدودية الإيرادات المتوقعة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، واتساع عدد الفاعلين الذين تشكلت مصالحهم خلال سنوات النزاع. فكلما ضاقت قاعدة الموارد، ارتفعت القيمة النسبية للتحكم في توزيعها، واتجهت مراكز النفوذ إلى إعادة تموضعها داخل الدورة الرسمية للإيرادات، سعيًا لتحويل نفوذها المتراكم أثناء الحرب إلى نفوذ مؤسسي أكثر استقرارًا.

وبذلك، يعيد المورد السيادي ترتيب القيمة الاقتصادية لمراكز النفوذ، لكنه لا يعيد توزيعها تلقائيًا. فالنتيجة تتوقف على قدرة المؤسسات العامة على ضبط مسار الإيرادات ومنع انتقال النفوذ المتراكم خلال الحرب إلى داخل الدورة الرسمية للموارد.

ثالثًا: الحوكمة تحسم مصير المورد

يرتبط الأثر الاقتصادي للنفط بالقواعد التي تنظم إدارة عائداته أكثر من ارتباطه بحجم الإيراد نفسه. فالمورد السيادي يكتسب قيمته عندما تنتقل عائداته عبر منظومة مؤسسية توحد التحصيل، والإدارة، والإنفاق، والرقابة، فتتحول الإيرادات إلى قدرة مالية تعزز استقرار الاقتصاد وتدعم وظائف الدولة.

وتكتسب هذه الإشكالية خصوصيتها في اليمن، لأن استئناف الصادرات يأتي في ظل مؤسسات لا تزال تعاني الانقسام وتداخل الاختصاصات. ومن هنا تنتقل المنافسة إلى مسار الإيرادات قبل حجمها: أين تودع؟ ومن يديرها؟ وكيف تخصص؟ وتحدد الإجابة عن هذه الأسئلة ما إذا كانت الإيرادات ستتحول إلى قدرة مؤسسية تعيد بناء الدولة، أو إلى مورد جديد يعاد توزيعه بين مراكز النفوذ.

ويمتد أثر هذا المسار إلى السياسة النقدية بقدر امتداده إلى المالية العامة. فالإيرادات النفطية تعيد تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد، لكن أثرها في استقرار سعر الصرف، وإدارة الاحتياطيات، وتمويل الواردات، يظل مرهونًا بوجود إدارة نقدية موحدة قادرة على توظيف هذه التدفقات ضمن سياسة اقتصادية متسقة. أما استمرار الانقسام المؤسسي، فيفصل المورد عن أهدافه الاقتصادية، ويحول عائداته إلى مجال جديد للتنافس بين مراكز القرار.

وعند هذه النقطة يتحدد موقع المورد السيادي في الاقتصاد اليمني. فكلما نجحت المؤسسات في فرض قواعد موحدة لإدارة الإيرادات وربطها بالسياسات المالية والنقدية، أصبح النفط ركيزة لتعزيز القدرة الاقتصادية للدولة. أما استمرار التنازع على هذه القواعد، فيُبقي الإيرادات عرضة للتوظيف داخل شبكات النفوذ القائمة.

الخاتمة

تكشف إدارة المورد السيادي طبيعة الدولة بقدر ما تكشف طبيعة الاقتصاد الذي تنتجه. فالعبرة لا تكمن في عودة صادرات النفط والغاز أو حجم الإيرادات المتحققة، وإنما في القواعد التي تنظم تدفق هذه الإيرادات وتحدد الجهة التي تمتلك سلطة إدارتها. ومن هنا، يصبح النفط اختبارًا لقدرة المؤسسات على استعادة وظائفها الاقتصادية، أكثر من كونه مصدرًا جديدًا للتمويل.

ويبقى السؤال الحاسم في مرحلة ما بعد استئناف الصادرات: من سيمتلك سلطة إدارة الإيرادات السيادية؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان النفط سيصبح ركيزة لاستعادة الدولة، أم موردًا يعيد إنتاج اقتصاد الحرب بصيغة مختلفة.