آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-01:20ص

الحرب حين تهدم الإنسان قبل العمران

الأحد - 02 أغسطس 2026 - الساعة 11:07 م
علوي سلمان


لسنا مع الحرب، ولن نكون يومًا من أنصارها. لسنا مع القذائف التي تهوي على البيوت فتجعلها قبورًا لمن كانوا قبل لحظات يحيون فيها حياة آمنة مطمئنة. ولسنا مع الخراب الذي يبدد أحلام الأطفال، ويملأ عيون الأمهات بالدموع، ويورث الشيوخ حسرة لا تنطفئ. نقولها بملء أفواهنا، وتخطها قلوبنا قبل أقلامنا: لا للحرب، لا للاقتتال، لا للكراهية، لا لكل ما يحيل الحياة إلى مأتم طويل.

ما أسهل أن يدعو الإنسان إلى الحرب وهو بعيد عن ساحاتها، وما أشد قسوة أن ينطق بكلمة تشعل نارًا لا يعلم إلى أين تمتد. فالدعوة إلى قصف المدن المكتظة بالسكان ليست موقفًا سياسيًا مجردًا، بل حكمٌ على آلاف الأسر بأن تعيش اليتم والترمل والفقد والتهجير. وفي كل بيت يُهدم قصةٌ تُدفن، وحلمٌ يُوأد، وطفولةٌ تُسرق، ومستقبلٌ يُمحى من الوجود.

الحرب لا تعرف المنتصر الحقيقي؛ فهي تبدأ بإسقاط الجدران، لكنها لا تنتهي إلا بتحطيم النفوس. تأتي إلى أسرة كانت تنعم بالسكينة، فتخطف منها الأب، أو الأم، أو الابن، ثم تترك من بقي حيًا يحمل جراحًا لا يراها الناس، لكنها تنزف في داخله ما بقي من عمره. إنها تصنع أجيالًا مثقلة بالألم، وتزرع في الذاكرة الجماعية بذور الأحقاد التي قد تمتد لعقود طويلة.

ولذلك فإن كل دعوة تمجد العنف أو تزين الخراب هي دعوة تناقض جوهر الإنسانية. فالسياسة، في معناها الرفيع، ليست فن صناعة الدمار، وإنما فن صيانة الحياة. وكل مشروع سياسي يقاس بقدر ما يحفظ الإنسان وكرامته وعمرانه، لا بقدر ما يخلفه من أنقاض وركام.

اتجهت دراسات حديثة في الفكر الجيوسياسي إلى إعادة النظر في معيار القوة، فلم تعد تقاس بما تملكه الدول من وسائل التدمير، وإنما بما تتركه قراراتها من آثار على الإنسان والأرض. فإذا كانت الأفعال تفضي إلى الإضرار بالمجتمعات، وتعطيل العمران، وإزهاق الأرواح، فإنها تفقد مشروعيتها الأخلاقية مهما أحاطها أصحابها بالشعارات والمبررات. فالقيمة العليا لأي فعل سياسي هي حماية الإنسان، لا التضحية به.

وقد أدرك المؤرخ والفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون هذه الحقيقة حين جعل العمران أساس قيام الدول واستمرارها. فالبناء والهدم لا يجتمعان، والسلام والحرب نقيضان لا يلتقيان؛ فحيث يزدهر السلام ينمو العلم، وتزهر المدن، وتستقيم حياة الناس، وحيث تستعر الحرب يتراجع كل ذلك أمام مشاهد الخراب والدموع.

إن أخطر الناس ليس من يحمل السلاح فحسب، بل من يحمل خطابًا يزين الفتنة، ويغذي الكراهية، ويغرس في النفوس وهم الخلاص عبر الدمار. فالكلمات قد تكون شرارةً لحريقٍ لا ينطفئ، وقد تكون بذرةً لسلامٍ يمتد أثره عبر الأجيال. ومن يزرع الحقد لا يحصد إلا مزيدًا من الانقسام، أما من يزرع الخير فإنه يبني جسور الثقة والتفاهم والتعاون.

ويؤكد علم النفس أن السلوك الإنساني نتاج عوامل متداخلة؛ منها ما هو وراثي، ومنها ما هو نفسي واجتماعي وثقافي. لكن الوعي، والتربية، والأخلاق، تظل قادرة على تهذيب النزعات العدوانية، وتوجيه الإنسان نحو قيم الرحمة والتسامح. فليس كل دافعٍ يُطاع، ولا كل غضبٍ يُترجم إلى فعل، وإنما تُقاس إنسانية المرء بقدرته على كبح نوازعه حين تكون سببًا في أذى الآخرين.

إن الحضارات لم تُبنَ فوق ركام المدن، ولم يزهر العلم في ظل أصوات المدافع، ولم تعرف الإنسانية مجدها إلا حين انتصرت للحياة على الموت، وللبناء على الهدم، وللمحبة على الكراهية. ومن هنا فإن أعظم موقف يمكن أن يتخذه الإنسان اليوم هو أن يقف في صف الحياة، وأن يرفض كل خطاب يدعو إلى سفك الدماء أو تمجيد الخراب.

فالسلام ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات القوة؛ لأنه القوة التي تبني ولا تهدم، وتداوي ولا تجرح، وتجمع ولا تفرق. أما الحرب، مهما تلونت بشعاراتها، فلا تترك خلفها إلا مدنًا منكوبة، وقلوبًا مكسورة، وذاكرةً مثقلةً بالآلام.

وما أحوج عالمنا اليوم إلى أصواتٍ تعلي قيمة الإنسان، وتنتصر للعمران، وتؤمن بأن بيتًا واحدًا يُبنى خيرٌ من ألف بيتٍ يُهدم، وأن دمعة طفلٍ واحدة أثقل في ميزان الضمير من كل شعارات الحرب، وأن الحياة، بكل ما فيها من أمل وجمال، تستحق أن تُصان لا أن تُستباح.