لم أكن أعلم أن الإنسان قد يعيش بعد أن يُنتزع قلبه من بين أضلعه.
لم أكن أعلم أن لحظة واحدة قادرة على أن تقسم العمر إلى نصفين؛ نصفٍ كان فيه أبي، ونصفٍ آخر أحاول أن أتعلم فيه كيف أتنفس بدونه.
إلى هذه اللحظة، ما زلت عاجزة عن تصديق ما حدث. لا أزال أقاوم الحقيقة وكأنها كابوس سأستيقظ منه بعد قليل. لم أصدق أن تلك كانت لحظة الوداع الأخيرة. كنت أظنها وعكةً صحية عابرة، كما اعتدنا أن تأتيه ثم تمضي، وكنت أقول في نفسي: سيقوم بعد قليل، ويبتسم بتلك النبرة التي كانت تطمئننا جميعًا، ويقول: "أنا بخير... لا تقلقوا."
لكنها لم تكن وعكة.
كانت الأنفاس الأخيرة...
وكانت آخر مرة أرى فيها أغلى إنسان في حياتي.
رأيت أنفاسه تغادر، وأحسست في اللحظة نفسها أن أنفاسي أنا أيضًا قد خُطفت. كأن الموت لم يمر على أبي وحده، بل مرّ على قلبي، وانتزع منه شيئًا لن يعود أبدًا. شعرت أن أحشائي تُنتزع، وأن روحي تُسحب من داخلي وأنا أنظر إلى أعز ما أملك وهو يودع الدنيا أمام عيني، ولا أملك إلا الدموع والدعاء.
منذ ذلك اليوم، لم يعد للحياة شكلها الذي أعرفه.
كل شيء أصبح ناقصًا.
كل شيء فقد معناه.
حتى الأشياء التي كانت تشغلنا، والمشكلات التي كنا نظنها كبيرة، أصبحت بعد رحيلك يا أبي أصغر من أن تُذكر. أدركت أن الحياة كلها كانت تهون لأنك كنت فيها. وأن وجودك كان النعمة التي كنا نعيشها دون أن ندرك عظمها.
أبحث عنك في كل تفصيلة.
في كل موقف أقول: لو كان أبي هنا، ماذا كان سيفعل؟ ماذا كان سيقول؟ كيف كان سيواسيني؟
أشتاق لمناداتك لي.
أشتاق أن أسمع صوتك يملأ البيت بالحياة.
أشتاق لذلك الشاي الذي كنا نشربه بعد الغداء، ليس لأنني أحب الشاي، بل لأنك كنت تجلس معنا، وكان وجودك يحوّل أبسط اللحظات إلى ذكريات لا تُنسى.
ما أقسى أن يصبح الإنسان يشتاق إلى صوتٍ كان يسمعه كل يوم، وإلى خطواتٍ كانت تعبر الممرات، وإلى كلمة "يا بُوة" التي كنت تناديني بها بكل عفوية، وأنا أظن أن العمر سيمنحني ألف فرصة أخرى لأسمعها.
لم أكن أعلم أن بعض النداءات لها موعد أخير...
وأن بعض العناق يكون الأخير دون أن يخبرنا أحد.
يا أبي...
بعد رحيلك، شعرت أن العالم فقد دفئه، وأن البيت لم يعد بيتًا، وأن الأمان الذي كنت أظنه يسكن الجدران، كان في الحقيقة يسكن وجودك.
رحلت، لكنك تركت في قلبي فراغًا بحجم العمر كله.
وسيبقى الحنين إليك صلاةً لا تنقطع، ودمعةً لا يجف أثرها، ودعاءً أرجو أن يبلّغك رحمات الله في قبرك، حتى يجمعنا الله في دارٍ لا فراق فيها، ولا وداع، ولا موت.
ابنةٌ تؤمن أن أعظم أوجاع الدنيا هي أن تشتاق لأبيها، وكل ما فيها يشتاق إليه... حتى الكلمات أصبحت تبكيه،
ولأن بعض الفقد لا يُروى،تركت قلبها يكتب بدلًا عنها.
سارة عبد الحكيم.