لم يكن الفيلسوف الكندي ألان دونو يبالغ حين أعلن دخول العالم نظام التفاهة لكن الفاجعة الأكبر لا تكمن فقط في سيطرة السطحية على الثقافة والفن والاقتصاد بل في تمددها كالسرطان لتطال الوعي النضالي والقضايا التحررية لقد تحولت القضايا النبيلة التي كانت تُصاغ بالدماء والأفكار العميقة إلى مجرد محتوى يُستهلك في ثوانٍ معدودة وبات يُساق مسارها بأيدي من يفتقرون للحد الأدنى من الفهم التاريخي والسياسي .
إن الخطورة في تصدير السطحيين لقيادة الوعي الجمعي لا تقف عند حدود تقديم أفكار ضحلة بل تتعداها إلى تفريغ المفاهيم التحررية من مضامينها الأخلاقية والفكرية النضال في جوهره فعل مقاومة واعي يتطلب المعرفة والتضحية والرؤية الاستراتيجية أما في عصر المؤثرين فقد اختُزلت المبادئ الكبرى في شعارات رنانة واستعراضات جوفاء تُكسب صاحبها لقب مناضل دون أن يقدم للواقع أي تغيير ملموس .
لقد صنعت الخوارزميات بيئة مثالية لسطوع نجم هؤلاء فهي تتغذى على الإثارة والتبسيط المخل وفي هذا المناخ يُستبعد المفكر والمناضل الحقيقي لأن خطابه يتطلب التأمل والوعي الفكري بينما يُقدَّم الاستعراضي لأنه يتقن لعبة الجذب السريع وبذلك تتحول قضايا الشعوب المصيرية من ملحمية للتحرر إلى مسرحية للتسلية اليومية يُصفق فيها الجمهور لمن يصرخ أكثر لا لمن يفكر أعمق .
إن التافه لا يمكنه أن يبني استراتيجية مواجهة ولا يستطيع الصمود أمام الهجمات الفكرية والسياسية للخصوم وعندما يصبح موجه الفكر مجرد ظاهرة صوتية تفقد القضايا عدالة حجتها .
إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب إحياء الفكر النقدي وبناء وعي نخبوي وجماهيري يرفض استسهال النضال أو المتاجرة به فالقضايا الكبرى لا تحميها السطحية وتحرير الشعوب يبدأ أولاً بتحرير عقولها من قبضة التافهين الذين حولوا المأساة إلى مشهد والمبدأ إلى سلعة .