"من يبادلني بقلبي؟"
سؤال حملته أغنية شعبية قديمة لتوصف وجع الإنسان وتخليه عن قلبه المتعب،
واليوم أستعيرها لأقول "من يبادلني بوظيفتي"؟!.
بعد أيام يبدأ العام الدراسي الجديد الذي يعتبر بالنسبة لكثيرين هو موسم الحقائب والدفاتر والزي الجديد والطباشير الملونة والكراريس المنوعة واعتدال الجو الصيفي، أما بالنسبة للمعلم فهو شيء آخر ومغاير تماما، فهو يعتبره بداية عام لهم طويل من المسؤوليات التي لا تنتهي، ومشوار مارثوني طويل لانهاية له.
الكل يطلب من المعلم أن يكون مربيا قبل أن يكون معلما وأبا وأخصائيا نفسيا ومصلحا وقدوة، يطلبون منه الإبداع في الشرح، والصبر على الأخطاء، والابتسامة طوال الوقت، لا أحد يكلف نفسه السؤال ماذا يحتاج المعلم؟، وعن مايعانيه في المدرسة، وماهي متطلباته؟.
لا أحد يسمع للمعلم فهو ينهك وحيدا وبصمت مطبق، ويموت واقفا كشجرة طيبة أصلها ثابت وفروعها في السماء، تمر عليه الاعوام عام تلو آخر، تتغير الحكومات والرؤساء والمدراء ولكن لا منصف لحقوقه.
الظلم لا يكمن في قلة الراتب حتى لا يقال "هذا المعلم" همه "مالي" فقط رغم أحتياجه وفاقته له، لكن من عظيم الظلم في أن تختزل هذه الرسالة العظيمة في "ساعات دوام" و"عدد حصص" و"أوراق تصحيح"!،
من يعرف المهنة يدرك أن المعلم يعاني ويذوق شتى صنوف التعب والانهاك، فـ "المسكين" يترك همومه عند باب المدرسة "مجبرا"، ويعود إلى بيته محملا بالدفاتر والتحضير والقلق على طالب متعثر أو درس يحتاج طريقة جديدة وكأن حرمانه من العيش الكريم وفي حياة كريمة لايكفي!
إنه ياسادة وبالمختصر الشديد مهنة "التعليم" مهنة تستنزف العقل والقلب معا ولا يعلم صحة كلامي إلا من جربها يوما، ورغم كل ذلك يدخل فصله كل صباح بابتسامات موزعة وكلمات محفزة ونظرات تحفيزية لأنه يؤمن يقينا أن كلمة واحدة أو مسحة على رأس تلميذ قد تغير مستقبل طفل وربما وطن، لكن بالمقابل الرسائل العظيمة تحتاج إلى إنصاف فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يصنع أجيالا عظيمة، ونحن نتجاهل أبسط حقوقه المادية والمعنوية، لا يمكن أن نبني مستقبل وطن على أكتاف منهكة "جاوعة" ثم نستغرب لِمَ التعثر!.
وقبيل أيام فاصلة من بدء العام الدراسي الجديد يظل سؤال معلق لكل المعلمين
"من يبادلني بوظيفتي؟"
ليس هروباً من الرسالة كما اسلفت، لأنهم أكثر الناس إيمانا والاجدر بها، ولكن ليعلم الجميع أن خلف السبورة إنسانا يتعب ومسؤوليات تثقل، وأحلاماً تؤجل وكرامة تسحق، فمعلم يقبض معاشه 75 ألف ريال يمني، وطالبه بالفصل يقبض أكثر من خمسة اضعافها، إذن لا مكان له في قطاع التربية والبحث عن البديل صار شيء مباح.
زبدة القول يجب إنصاف المعلم عاجلا غير آجل والاعتذار له بكل لغات العالم، فاذا اردنا استثمار مباشر في مستقبل الوطن، وتعليما أفضل فلنبدأ بمن يحمل رسالة التعليم أولا، ليس بالكلمات فقط، بل بالحقوق والكرامة الحقيقية، فالجميع يعلم بمظلوميتهم لكن لا أحد يريد ان يتكلم!
وأخيراً ومع قبيل بدأ العام الدراسي أقول كل عام ومعلمونا بخير.. وكل عام وهم أقرب إلى التقدير الذي يستحقونه وهذا اقصى ما استطيع قوله في زمن الجميع يرى ويسمع ويعلم ولكنه لا يستطيع أن يتحدث ولو ببنت شفة.