لا توجد دولة تستطيع أن تعيش معزولة عن العالم، ولا شعب يخوض معركة مصيرية من دون أن يبحث عن الأصدقاء والحلفاء. فالحليف ليس مشكلة، بل قد يكون مصدر قوة، إذا بقي في موقعه الطبيعي: داعمًا للمشروع الوطني، لا بديلًا عنه.
المشكلة تبدأ عندما يتراجع الداخل، ويتقدم الخارج. حينها لا يعود السؤال: كيف نستفيد من الحليف؟ بل يصبح: كيف نرضيه؟ وهنا تتحول العلاقة من شراكة إلى ارتهان، ومن تعاون إلى تبعية، ومن دعم إلى وصاية غير معلنة.
هذه هي المعضلة التي لخصها المفكر الفلسطيني غسان جابر في "نظرية الوكيل". فالأوطان لا تخسر فقط عندما تهزمها القوى المعادية، بل تخسر أيضًا عندما تعتاد انتظار الحلول من الآخرين، وتتخلى تدريجيًا عن قدرتها على إنتاج قرارها الوطني.
في اليمن، كما في فلسطين، كشفت سنوات الصراع أن غياب التوافق الداخلي يفتح الأبواب أمام تضخم الأدوار الخارجية. وكلما ازداد الانقسام، اتسعت مساحة الوكلاء، وتراجع حضور الدولة. وحين يغيب المشروع الوطني الجامع، يصبح الخارج شريكًا في رسم المستقبل، لا مجرد داعم له.
العلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح. ومن يظن أن الدول الكبرى تتحرك بدافع الإحسان وحده، يقرأ السياسة بعيون الأمنيات لا بعيون الواقع. ولذلك فإن الدولة القوية ليست التي ترفض الحلفاء، بل التي تعرف كيف تجعلهم يخدمون مشروعها، لا أن يتحول مشروعها إلى امتداد لمصالحهم.
إن أخطر أشكال الهزيمة ليست خسارة معركة، بل خسارة الإرادة. فالوطن الذي يعجز عن إنتاج قراره، لن يصنع مستقبله مهما تعدد حلفاؤه. أما حين يمتلك مشروعًا وطنيًا واضحًا، ومؤسسات قوية، وإرادة مستقلة، فإن كل دعم خارجي يصبح قيمة مضافة، لا بديلًا عن الوطن.
فالأوطان لا تُدار بالوكالة، والسيادة لا تُستورد، والقرار الوطني لا يُصنع إلا في الداخل.