ليس العيب أن يهرب المشاهير أو غيرهم من أرض يحكمها الظلم، وإنما العيب أن يرضى الإنسان بالذل وهو قادر على النجاة ورفض الظلم، فأرض الله واسعة.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾
[النساء: 97]
وعندما اشتد الظلم على المسلمين في مكة، أذن لهم النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، وقال عنها:
«إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد».
فالنجاة من الظلم ليست جبنا، والهجرة من أرض القهر ليست عيبا، بل العيب أن يجبر الإنسان على حياة الذل ثم يقنع نفسه بأنها كرامة.
العيب أن تعيش ذليلا وأنت قادر على رفض الذل.
العيب أن تقول: يا سيد، وقد خلقك الله حرا لا عبدا لبشر.
العيب أن تمنع من ممارسة شعائرك الدينية كما تريد، ثم تقنع نفسك بأنك تعيش بحرية.
العيب أن تخرج كل جمعة مع القطيع، تردد شعارات لا تؤمن بها، ولا تعرف لماذا خرجت ولا لمصلحة من تهتف.
العيب أن يموت أطفالك جوعا، بينما ينعم المشرفون بالجبايات والزكاة والضرائب التي نهبوها من أموالك وأموال المظلومين.
العيب أن يحرم الموظف من راتبه سنوات، بينما تنفق أموال الدولة على الحرب والتعبئة والدعاية.
العيب أن يطلب من الجائع المزيد من الصبر والتبرعات والمجهود الحربي، بينما يعيش المشرفون والمتنفذون في النعيم.
العيب أن تفرض الجبايات والإتاوات على التجار والمزارعين والمواطنين حتى تصبح أثقل من طاقتهم.
العيب أن يساق أبناؤك إلى الجبهات، بينما أبناء القيادات بعيدون عن ساحات القتال ويعيشون في أمن ورفاهية.
العيب أن يجند الأطفال، ويزج بهم في أتون الحروب قبل أن يعيشوا طفولتهم أو يكملوا تعليمهم.
العيب أن تتحول المدارس إلى مراكز للتعبئة الطائفية، وأن تغير المناهج لخدمة جماعة وسلالة لا لخدمة الوطن، وأن يربى الجيل على التعصب والكراهية بدل العلم والمعرفة.
العيب أن يتحول القضاء إلى أداة لمعاقبة الخصوم بدل إنصاف المظلوم.
العيب أن يعتقل الناس بسبب آرائهم أو كلماتهم، وأن يعيش المجتمع في خوف دائم من التعبير.
العيب أن يعتقل الإنسان ويسجن لمجرد أنه وضع إعجابا أو كتب تعليقا في صفحة المعارضين والمقاومين للانقلاب.
العيب أن تمتلئ السجون بالمختطفين والمخفيين قسرا لأنهم قالوا كلمة حق أو رفضوا الخضوع.
العيب أن تكمم الأفواه، وتغلق وسائل الإعلام المخالفة، ويلاحق كل صحفي وفنان وناشط وصاحب رأي مستقل.
العيب أن تخاف مليشيا مسلحة من أغنية أو منشور أو تعليق أو كلمة حق.
العيب أن تفرض الأفكار بالقوة، وأن يصبح الاختلاف في الرأي تهمة تستوجب السجن أو التخوين.
العيب أن تنهب منازل الناس وأراضيهم وتجارتهم وممتلكاتهم، ثم يسمى ذلك حقا أو غنيمة.
العيب أن تفجر المنازل ويهجر أهلها، وتفرق الأسر، ويعيش الآلاف بين النزوح والغربة.
العيب أن تزرع الألغام في الطرق والمزارع ومناطق المدنيين، ثم تتحدث المليشيا عن حماية الشعب.
العيب أن تغلق الطرق، وتحاصر المدن، وتضاعف معاناة المرضى والمسافرين، ثم تستغل مآسيهم للمساومة والدعاية.
العيب أن تصادر المساعدات الإنسانية أو يتحكم في توزيعها وفق الولاء، وأن تؤخذ باسم الفقراء ثم تمنح للمقاتلين والموالين.
العيب أن تتحول أموال الزكاة والضرائب والمساعدات إلى مصدر إثراء للمشرفين، بينما يبحث الفقير عن لقمة تسد جوع أطفاله.
العيب أن يتحول المواطن إلى خائف في بيته، وحائر في رزقه، وغريب في وطنه.
العيب أن تختطف الجمهورية، ويستبدل مبدأ المواطنة المتساوية بثقافة السلالة والامتياز، في وطن لا يرفع أهله إلا العمل والتقوى.
العيب أن يقسم اليمنيون إلى سادة وأتباع، بينما يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13]
العيب أن ترى كل هذه المظالم، ثم تدافع عن الظالم، أو تبرر جرائمه، أو تصمت خوفا منه، أو تهتف له وأنت تعلم أنه سبب جوعك وذلّك وضياع وطنك.
أما الهجرة من أرض الظلم إلى أرض يأمن فيها الإنسان على دينه ونفسه وأسرته وكرامته، فليست عيبا ولا خيانة، بل قد تكون نجاة وعزة ورفضا للاستعباد.
فالعيب الحقيقي ليس في الهروب من ظلم الحوثي، بل في التعايش معه، وتجميل جرائمه، والدفاع عنه، والرضا بحياة بلا حرية ولا كرامة.
✍️ ناجي محمد القرطحي