يقاس نجاح المحافظ في الدولة الحديثة بما يحققه من تنمية، وتحسين للخدمات، وإدارة كفؤة للموارد العامة، لا بقدر انخراطه في صناعة التكتلات أو رعاية المشاريع السياسية. فالمحافظ، بحكم موقعه القانوني، يمثل السلطة التنفيذية في محافظته، وهو المسؤول الأول عن إدارة شؤونها، وحماية المال العام، وتنفيذ القوانين، وتحقيق التنمية المحلية وفقاً لمبدأ المشروعية وسيادة القانون.
غير أن ما تشهده بعض المحافظات من انشغال عدد من المحافظين بقيادة أو رعاية ما يسمى بـ"المجلس التنسيقي"، وتسخير الوقت والجهد والإمكانات العامة لخدمته، يثير تساؤلات قانونية وإدارية مشروعة حول مدى توافق ذلك مع طبيعة اختصاصاتهم، وما إذا كانت هذه الأنشطة تدخل ضمن المهام التي أوكلها لهم القانون، أم أنها تمثل انحرافاً بالسلطة الإدارية عن الغاية التي أنشئت من أجلها.
فالوظيفة العامة ليست أداة لتحقيق التوازنات السياسية، ولا وسيلة لرعاية المكونات أو منحها شرعية رسمية، وإنما هي مسؤولية دستورية وإدارية غايتها خدمة المواطنين كافة دون تمييز. وعندما تتحول إمكانات المحافظة ومواردها إلى خدمة مشاريع ذات طابع سياسي، فإن ذلك يطرح إشكالية تتعلق بحياد الإدارة العامة، ويثير شبهة إساءة استخدام السلطة والمال العام إذا ثبت توظيف الموارد العامة في غير الأغراض المخصصة لها.
والأكثر خطورة أن هذه المجالس جاءت في مرحلة تشهد تزاحماً للمكونات السياسية على الساحة الجنوبية، الأمر الذي يجعل انخراط المحافظين فيها يضعهم في موقع المنافس السياسي، بدلاً من بقائهم على مسافة واحدة من الجميع باعتبارهم ممثلين للدولة. فالمحافظ لا يفترض أن يكون طرفاً في التنافس السياسي، بل المرجعية الإدارية التي تتعامل مع جميع المواطنين والقوى وفق أحكام القانون.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: من الذي وجه المحافظين إلى قيادة هذه المجالس؟ وهل صدر بذلك قرار قانوني يحدد اختصاصاتهم الجديدة؟ وإذا لم يوجد سند قانوني واضح، فإن ممارسة مثل هذه الأدوار تبقى محل مساءلة إدارية وسياسية، لأنها توسع اختصاصات المحافظ خارج الحدود التي رسمها القانون.
إن قانون السلطة المحلية حدد للمحافظ مهاماً واختصاصات تتمثل في إدارة شؤون المحافظة، والإشراف على الأجهزة التنفيذية، وتنفيذ خطط التنمية، وتحسين مستوى الخدمات، والحفاظ على النظام العام. ولم يجعل من اختصاصاته إنشاء أو قيادة كيانات سياسية أو مجالس تنسيقية ذات طابع حزبي أو مكوناتي. كما أن مبادئ الإدارة العامة تقتضي الحياد، والمساواة، وتوجيه الموارد العامة لتحقيق المصلحة العامة، لا توظيفها لخدمة أجندات سياسية أو اصطفافات مرحلية.
وإذا كانت المحافظات اليوم تعاني من تدهور الخدمات الأساسية، وضعف البنية التحتية، وتعثر مشاريع التنمية، فإن الأولى بالمحافظين أن يكرسوا جهودهم لمعالجة هذه الملفات، وأن توظف موازنات المحافظات وإمكاناتها في تنفيذ المشاريع الخدمية التي تمس حياة المواطنين، لا في أنشطة لا تنعكس آثارها على واقع الناس المعيشي.
إن المواطنين لا ينتظرون من المحافظ أن يؤسس مجلساً جديداً أو يرعى مكوناً سياسياً، بل ينتظرون كهرباء مستقرة، ومياهاً صالحة، وطرقات آمنة، ومدارس ومستشفيات تعمل بكفاءة، وفرص عمل تحفظ كرامة الإنسان. وهذه هي المعايير التي يقاس بها نجاح الإدارة المحلية، وليس عدد الاجتماعات أو الكيانات التي ترعاها.
إن بناء الدولة يبدأ باحترام الاختصاصات، والفصل بين العمل الإداري والعمل السياسي، والحفاظ على حياد مؤسسات الدولة. وكل خروج عن هذه المبادئ يضعف الثقة بالمؤسسات، ويزيد من حالة التشظي، ويبدد الموارد العامة بعيداً عن أولويات التنمية.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى محافظين يديرون محافظاتهم وفق القانون، لا إلى محافظين يتصدرون مشهد التنافس السياسي. فالدولة القوية تبنى بمؤسسات قوية، لا بتكاثر المجالس والمسميات، وبسلطة تطبق القانون على الجميع، لا بسلطات تنفيذية تنشغل بإدارة التوازنات السياسية على حساب مصالح المواطنين.
اتركوا المحافظين يؤدون واجبهم الإداري، وأعيدوا مؤسسات الدولة إلى حدود اختصاصاتها، فذلك هو الطريق الأقصر لاستعادة هيبة الدولة، وحماية المال العام، وتحقيق التنمية التي ينتظرها المواطن.