آخر تحديث :الأحد-11 أكتوبر 2026-02:23ص

بين الخنادق والفنادق: حين تصبح التضحية ميدانًا للشرفاء والتجارة غنيمة للمنتفعين

الخميس - 30 يوليو 2026 - الساعة 05:24 م
عدنان زين خواجه


تسقط الأقنعة دائمًا عند المفاصل التاريخية للحروب؛ فالأوطان لا تُحرر بالمنشورات أو الشعارات المسبوكة في الفنادق، بل بالدماء الزكية التي تُسفك في الخطوط الأمامية. وبينما يتصدر الواجهة من اغتنموا خيرات الإعاشة ورواتب الرفاهية، يظلّ المقاتل الشريف في الجبهة يخوض معركته بأبسط الإمكانيات، ملبيًا نداء الواجب الوطني والديني والأخلاقي دون انتظار مقابل أو سلاح نوعي.

تجار الحروب.. استثمار في الشعارات وزهد في التضحية

مع مرور السنوات، اتضحت الفوارق الجلية بين من اتخذ من التحرير قضية وجود وهدفًا مقدسًا، ومن اتخذه مشروعًا استثماريًا. لقد أثبتت الوقائع أن من تركوا أسرهم بلا عائل ووهبوا أرواحهم للتراب هم وحدهم من يصنعون معادلات التغيير، بينما اكتفى آخرون بالسكن في الفنادق الفارهة، وتكديس الأموال الفاسدة، وتأسيس الاستثمارات العقارية والتجارية في دول الجوار.

ولم تقف المأساة عند حدود الاستفادة المادية؛ بل امتدت إلى ظاهرة "مقاتلي جبهات التواصل الاجتماعي"، حيث أصبحت التغريدات والمنشورات التحريضية بديلًا رخيصًا عن حمل السلاح والمواجهة الفعالة. إن الشعارات التي تتردد منذ سنوات طويلة لم تعد تنطلي على شعب أدرك كيف أُديرت المعارك وأين ذهبت المقدرات والسلاح الذي فُرّط فيه عند أول مواجهة حقيقية لحماية مكتسبات فردية ونهب قديم.

الجرحى وعائلات الشهداء.. بين نكران السلطة ووجع الميدان

تتجلى الفجوة الأخلاقية والإنسانية في المشهد اليوم عبر معاناتين صارختين:

* فراش الموت للجرحى: آلاف المقاتلين الذين قدموا أجسادهم فداءً للأرض يرقدون اليوم على أسرة المرض والإهمال، دون أن توفر لهم سلطات الأمر الواقع أدنى مستويات الرعاية الصحية أو التقدير اللازم.

* حرمان أسر الشهداء: تنتظر عائلات من قدموا أرواحهم إعانة بسيطة تُصرف بامتنان خجول، بينما تُدار أموال الدولة ومقدراتها لصالح المقربين والمنتفعين والقائمين على المشهد السياسي والإعلامي.

وعي جديد يرفض تكرار التجربة

إن الحرية لا يمنحها من فرّوا من ميدان الدفاع عن العرض والأرض في لحظات فاصلة، ولا من فضّلوا الهروب للحفاظ على سلطات ومكاسب سابقة. إن حرب التحرير الحقيقية هي إيمان واقتناع وحمل للسلاح في الميدان، وليست بيعًا للقرار أو تجارة بالكرامة.

اليوم، يتبلور وعي شعبي وميداني يدرك تمامًا مكاسب أصحاب المصالح، ويرفض أن تكون دماء الشرفاء جسرًا يعبر عليه المتسلقون نحو المزيد من الثراء والنفوذ. فالتاريخ لا يسجل أسماء من سكنوا الفنادق وزيفوا الحقائق، بل يحفظ فقط أسماء أولئك الذين كتبوا بدمائهم وأرواحهم مجد الوطن على ترابه المباشر.