العلاقات السعودية الحضرمية: عمق تاريخي وثبات لا تهزه العواصف، وتظل العلاقات السعودية الحضرمية ثابثة ثبات سلسلة جبال حضرموت بجبال عسير في المملكة.
اطلعتُ بالأمس على تغريدات بعض أبناء حضرموت في الداخل والخارج، وأعتقد أن هذه التغريدات لم تكن في محلها؛ إذ وُجّهت في مجملها إلى رئيس حلف قبائل حضرموت، الشيخ عمرو بن حبريش، وكأنها تُحمّله الأسباب التي أدت إلى توقيفه في منفذ الوديعة.
والحقيقة أن القرار الرئاسي المتعلق بتصدير النفط هو ما أثار الشيخ ومعه كل حضرمي حر داخل حضرموت وخارجها؛ إذ تم القرار دون تحديد نسبة حضرموت، فضلاً عن تجاهل قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، المتعلق بتحويل إيرادات النفط المخزن في خزانات "الضبة" لسنوات—بعد توقف التصدير إثر هجمات المليشيات الحوثية على شركة "بترومسيلة"—لصالح إنشاء محطة كهرباء بقدرة 500 ميجاوات ومستشفى العليب؛ لانتشال المدن والقرى والوديان من أزمة انقطاع التيار الكهربائي في ذروة الصيف والخريف الحار والرطوبة الشديدة في المناطق الساحلية، إضافة إلى معالجة سكان مناطق الإنتاج النفطي في هضبة حضرموت.
لقد غادر المقدم عمرو بدعوة رسمية من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، وهي المملكة التي تربطها بحضرموت علاقات وثيقة، مصيرية، إستراتيجية، وثقافية ودينية ممتدة منذ مئات السنين. وينظر الحضارم إلى أرض المملكة وملوكها الأكارم—من غادروا الحياة ومن جاء بعدهم—باعتبارهم إخوة وحكامًا يُكنّون لهم كل الولاء والاحترام والتقدير والمحبة.
يفرح الشعب الحضرمي لكل فرح سعودي، ويتألم لكل ما يصيب المملكة على مدى تاريخ الدول السعودية، ولا سيما الدولة السعودية الثالثة المباركة اليوم.
نحن لا نلوم المملكة العربية السعودية على ما حدث للمقدم، ولكننا نُحمّل المسؤولية للشرعية اليمنية ومجلس القيادة القابع في الرياض، والذي ربما خاطب القيادة السعودية لمنع المقدم من العودة إلى حضرموت، وذلك بعد ستة أشهر من مغادرته ترتيبًا لأوضاع ومطالب أبناء حضرموت.
لم ولن يسيء رئيس الحلف للأشقاء في السعودية، ولن يسيء أي حضرمي عاقل ومحترم يُقدّس هذه العلاقة التاريخية مع المملكة. لكننا نلوم الشرعية لأنها لا تريد للحضارم الاستفادة من ثروات أرضهم لإنشاء محطة كهرباء، وذلك بعد مرور أكثر من خمسة وثلاثين عامًا من نهب الثروات دون أن نرى لها مردودًا ماليًا يُغيّر واقع حضرموت، سواء في البنية التحتية أو على مستوى معيشة المواطن الحضرمي الذي يعاني حاليًا من أشد درجات الفقر والمرض والبطالة.
ورغم وجود محاولات من أطراف عدة—جنوبية وشمالية—تستغل هذه الحادثة العابرة لتعكير صفو العلاقات الحضرمية السعودية ودسّ السم في العسل لتحقيق مآرب سياسية ضيقة، فإن أبناء حضرموت أكبر من أن يُستغلوا في إحداث خلل أو تعتيم على العلاقة القائمة بين حضرموت والمملكة وشعبها الشقيق.
لقد اجتمعت قبائل حضرموت مساء الاثنين، وكانت اجتماعاتهم طيبة وأثمرت بيانًا متزَنًا ومطالب معقولة وموضوعية؛ حيث خلت بنود اللقاء القبلي في الهضبة من أي بند قد يؤثر على انسيابية العلاقة مع الأشقاء في المملكة.
نعلم تمامًا أن الشرعية—وربما من يعتلي رئاسة المجلس—لا يشعر بمعاناة الحضارم وما يمرون به من تردٍّ حاد في الخدمات؛ لأنه بعيد كل البعد عن هذه المعاناة، وإن زار حضرموت فإنه يقيم في أرقى القصور حيث تتوفر كل الإمكانيات من كهرباء وخدمات ورغد عيش، في الوقت الذي يكابد فيه الشعب الحضرمي قسوة الحياة وتدهور الخدمات الأساسية.
لا شك أن موقف قبائل حضرموت كان موقفًا عقلانيًا ومتزنًا، رغم غياب بعض أصوات قيادات "الجامع الحضرمي" والصمت المريب الذي أشبه بصمت القبور، وربما التخلي غير المنطقي عن مطالب الشيخ عمرو أمام الشرعية لمصالح شخصية ضيقة.
وعلى أية حال، فإن الأشقاء في المملكة لن يتخلوا عن حضرموت، وحضرموت وشعبها سيظلون مع المملكة في السراء والضراء ضد كل ما تتعرض له السعودية من تهديدات إيران وأذرعها في المنطقة. ورئيس الحلف، مهما طالته الوشايات المغرضة، فإن المملكة تمتلك من الأجهزة والوعي ما يُمكّنها من معرفة كل صغيرة وكبيرة في حضرموت، ولن تتخلى عن حليفها الصادق ولا عن حضرموت وشعبها وفك أزمتها، وسيعقب هذه الشدة فرج قريب بإذن الله.
والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.