آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:18م

كان يبحث عن الكنز...

الخميس - 30 يوليو 2026 - الساعة 08:30 ص
د. سمير أحمد بوست


يحكى أن رجلاً سمع وهو في مقتبل شبابه عن كنز عظيم مخبأ في مكان بعيد وأن من يجده لن يعرف الفقر بعد ذلك.


لم يتردد.

باع بيته و جزءاً من أرضه وحمل حقيبته وانطلق يبحث.

سنوات طويلة قضاها بين المدن والجبال والوديان والصحارى، يسأل هذا ويتبع ذاك، ويطارد كل حكاية يظن أنها تقوده إلى الكنز.


وفي كل مرة كان يعتقد أنه اقترب يكتشف أنه لم يكن يطارد إلا سراب جديد.


ومرت الأعوام... حتى أثقل التعب خطواته وقرر أن يعود.

عاد شيخاً وقد غزا الشيب رأسه وأرهقت الرحلة ملامحه.


وقف طويلاً أمام بيته القديم، الذي كان قد باعه قبل سنوات وكأن الذكريات كانت تفتح له أبواباً أغلقها الزمن.


خرج صاحب البيت ورحب به بحرارة، ثم سأله الرجل بصوتٍ خافت: كيف حال الدار؟


ابتسم صاحب البيت وقال:

"الدار بخير... بل حدث فيها أمر عجيب. حين أردنا أن نغرس شجرة جديدة في الحديقة عثرنا على صندوق قديم، مدفون بجوار الشجرة التي كانت هنا... وكان مليئاً بالذهب."


ساد صمت طويل...

خفض الشيخ رأسه ثم ابتسم ابتسامةً امتزج فيها الأسى بالحكمة وقال بهدوء:

"قضيت عمري أبحث عن الكنز في كل مكان... ولم يخطر ببالي يومًا أن أبحث عنه هنا."


كثيراً ما تشبه حياتنا هذه الحكاية.

نفتش عن النجاح بعيدًا، وننتظر أن تأتي الفرص من الآخرين، بينما تكون البدايات الحقيقية أقرب إلينا مما نظن.

فالبيت الذي نهمله، قد يخفي أول فرصة.

والإنسان الذي بجوارنا، قد يكون أعظم سند.

والفكرة الصغيرة التي نؤجلها، قد تكون بداية قصة كبيرة.


ولعل الأمم أيضاً لا تختلف كثيراً عن الأفراد.

فليست كل ثرواتها مدفونة تحت الأرض...

إن أعظم ثرواتها قد تعيش في عقول أبنائها وفي قدرتهم على أن يحلمواويتعلموا ويتعاونوا ويبنون مستقبلهم بأيديهم.


كم من إنسان بحث عن مستقبله بعيداً ثم اكتشف أن البداية كانت تنتظره في أقرب مكان.


وكم من مجتمع ظل ينتظر الحلول من الخارج، بينما كانت أعظم طاقاته تنمو بصمت في داخله.


ربما لا نستطيع أن نختار دائمًا أين نجد الكنز...

لكننا نستطيع أن نختار من أين نبدأ رحلة البحث.


فليس كل كنزٍ مدفونًا في الأرض... بعض الكنوز يدفنها الإنسان في نفسه، ثم يقضي عمره يبحث عنها في أماكن أخرى.