آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-11:59م

السعودية وصناعة التوازنات... كيف أعادت القيادة السعودية صياغة موقع المملكة في النظام الدولي؟

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 09:18 م
د. سلطان مشعل


ليست كل التجارب السياسية تُقاس بنتائجها المباشرة، فبعضها يكتسب أهميته من قدرته على تغيير طريقة تفكير الدولة وإعادة تعريف دورها في محيطها الإقليمي والدولي. ومن هذا المنطلق، لم يعد الأمير محمد بن سلمان مجرد قائدٍ برز في لحظة سياسية استثنائية، بل غدت تجربته واحدة من أبرز الظواهر الاستراتيجية التي تستحق الدراسة؛ لأنها ارتبطت بمشروع إعادة بناء المكانة السعودية أكثر من ارتباطها بإدارة المرحلة.


فنحن أمام نموذج قيادي لا يكتفي بإدارة التوازنات القائمة، بل يسعى إلى إعادة تشكيلها. ولا يتحرك داخل المعادلات التقليدية بقدر ما يعمل على إعادة صياغتها وفق رؤية بعيدة المدى، تجعل من المبادرة أداةً للفعل، ومن استشراف المستقبل أساسًا لصناعة القرار.


ولعل أبرز ما يميز هذه التجربة أنها انطلقت من إدراك أن السياسة ليست مجرد إدارة للأزمات، وإنما فن للتموضع الاستراتيجي. ولذلك اتجهت القيادة السعودية إلى توسيع هامش الحركة، وعدم الارتهان للمسارات التقليدية، مع قراءة دقيقة للتحولات الدولية والإقليمية، بما يتيح تحويل الضغوط إلى فرص، والتحديات إلى أدوات لإعادة التموضع.


ومن هنا تبدو التجربة أقرب إلى هندسةٍ استباقية للواقع منها إلى سياسة ردود الأفعال؛ فهي تعتمد على وحدة الرؤية وتكامل المؤسسات، وتربط بين القرار السياسي والاقتصادي والاستثماري ضمن مشروع واحد، يهدف إلى بناء دولة أكثر قدرة على المنافسة والتأثير.


وفي الجانب الاقتصادي، برز التحول بوصفه أحد أهم مرتكزات المشروع السعودي. فلم يعد النفط يمثل سقفًا للحركة، بل أصبح رافعةً لمرحلة "ما بعد النفط". ومن خلال رؤية المملكة 2030م اتجهت الدولة إلى تنويع مصادر الدخل، وتوسيع قاعدة الاقتصاد غير النفطي، وإطلاق مشروعات استراتيجية كبرى مثل نيوم ومشروع البحر الأحمر، إلى جانب الاستثمار في قطاعات الصناعة والتقنية والسياحة والخدمات اللوجستية. ولم يعد الاستثمار مجرد نشاط اقتصادي، بل تحول إلى أحد أدوات تعزيز السيادة وبناء القوة الناعمة والصلبة في آنٍ واحد.


وقد كسر هذا المسار الصورة التقليدية التي حصرت المملكة لعقود في معادلة النفط، وأعاد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والقوة، بحيث أصبحت الثروة وسيلة لبناء النفوذ، لا غايةً في ذاتها.


أما على المستوى الدولي، فقد اتسم الأداء السعودي بقدرٍ كبير من البراغماتية السياسية، حيث توسعت شبكة الشراكات مع مختلف القوى الدولية، شرقًا وغربًا، وفق منطق المصالح المتبادلة، دون الارتهان لمحور واحد. كما عكست أدوار المملكة في عدد من ملفات الوساطة الإقليمية والدولية، وحضورها المؤثر في مجموعة العشرين، وتنامي الدور الاستثماري السعودي عالميًا، توجهًا يقوم على تنويع الخيارات الاستراتيجية وتعزيز استقلالية القرار الوطني.


وفي هذا الإطار، لم تعد السياسة الخارجية السعودية تقتصر على التفاعل مع موازين القوى، بل أصبحت تسعى إلى الإسهام في تشكيلها، انطلاقًا من قناعة بأن الفراغ في السياسة لا يدوم، وأن الدول الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تبادر إلى صناعة الوقائع، لا انتظارها.


ولعل ما يميز هذه التجربة أيضًا أنها لم تتعامل مع التحديات بوصفها معوقات، بل بوصفها فرصًا لإعادة التموضع. فبدلًا من الدخول في استنزافات سياسية، اتجهت إلى إعادة ترتيب الأولويات، وتوسيع مساحات الحركة، وبناء أدوات جديدة للحضور الاقتصادي والدبلوماسي، وهو ما منح المملكة قدرة أكبر على التكيف مع التحولات الدولية المتسارعة.


وعلى ضوء هذه السياسات، انتقلت المملكة من دولة تعتمد على موقعها الجغرافي إلى دولة تعمل على صناعة موقعها السياسي والاقتصادي، ومن قوة إقليمية مؤثرة إلى لاعب دولي أكثر حضورًا، ومن اقتصاد ريعي إلى اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية.


إن ما تشهده المملكة اليوم يتجاوز حدود الإصلاح الإداري أو الاقتصادي، ليقترب من كونه مشروع انتقال تاريخي يعيد بناء أدوات الدولة، ويعيد تعريف مكانتها في النظام الدولي. ومهما اختلفت القراءات حول هذا التحول، فإن أثره في إعادة صياغة الدور السعودي سيظل أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة.


وفي عالمٍ تُقاس فيه الدول بقدرتها على صناعة الوقائع، لا بمجرد التكيف معها، تتجلى تجربة الأمير محمد بن سلمان بوصفها محاولة لإعادة تعريف مفهوم القوة السعودية؛ قوة تستند إلى الاقتصاد كما تستند إلى السياسة، وإلى الاستثمار كما تستند إلى الجغرافيا، وإلى المبادرة أكثر مما تستند إلى ردود الأفعال. ومن هنا تبدو المملكة اليوم أكثر سعيًا إلى الإسهام في صناعة التوازنات الإقليمية والدولية، لا الاكتفاء بإدارتها، وهي معادلة قد تمثل السمة الأبرز للتحول السعودي في القرن الحادي والعشرين.