آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-11:59م

من تعرفة "الكيلوواط" إلى انهيار الدول: قراءة في فخ الجباية المالية وغياب الإصلاح الإداري

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 07:56 م
عوض عميران


تطرح التحولات الاقتصادية الجارية في العالم النامي سؤالاً مفصلياً يتجاوز أرقام الميزانيات وجداول الديون: هل يمكن لسياسات التكيف المالي أن تبني دولة، أم أنها تحوّلها إلى مجرد أدوات جباية تعجّل بانهيار نسيجها الاجتماعي والمؤسسي؟

خريطة الطاقة العالمية: تباين الأسعار وتكلفة الإنتاج

يتباين متوسط تعرفة الكهرباء المنزلية بصورة كبيرة بين دول العالم؛ إذ ترتفع في أوروبا لتصل في بعض الدول إلى نحو 0.40–0.45 دولار/ك.و.س بفعل الضرائب وتكاليف الطاقة، بينما تدور في الولايات المتحدة حول 0.18–0.19 دولار، وتنخفض في عدد من الدول الخليجية والعربية المدعومة إلى ما بين 0.02 و0.08 دولار، بل تقل عن ذلك في بعض الدول. وفي المقابل، تتراوح تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة بين 0.03 و0.05 دولار في تقنيات الطاقة المتجددة الحديثة، وترتفع إلى 0.05–0.11 دولار في محطات الغاز والفحم، وقد تتجاوز 0.20 دولار في محطات الديزل والوقود الثقيل.

لكن هذا الفارق بين كلفة التوليد وسعر البيع النهائي لا يعود فقط لرسوم النقل والتوزيع والفاقد الفني، بل يرتبط بصورة مباشرة بالسياسات المالية للدول وعلاقتها بالجهات المانحة.

إملاءات الصندوق والمعادلة المنقوصة

في مواجهة العجز المالي المتراكم، يتدخل صندوق النقد الدولي عبر فرض شروط صارمة لإلغاء الدعم وتحقيق ما يسمى "استرداد التكلفة" كشرط لإطلاق القروض. وتصاغ هذه الشروط غالباً عبر "إجراءات سابقة" أو "معايير هيكلية" تجبر الحكومات على رفع تعرفة الخدمات العامة بصورة فورية، كما حدث في تجارب متعددة مثل مصر وباكستان وسريلانكا وتونس.

غير أن هذه المعادلة الحسابية الصارمة تصطدم بواقع معقد في المجتمعات الهشة؛ فعندما يُفرض سعر السوق على مجتمعات يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 100 دولار شهرياً، تخرج الكهرباء من كونها خدمة خاضعة لقوانين العرض والطلب لتصبح عُرضة لتداعيات خطيرة:

التضخم المركّب: انتقال أثر الزيادة فوراً إلى المخبوزات، ومياه الشرب، والخدمات الطبية، والإنتاج المحلي.

الربط العشوائي والعصيان المالي: التوسع في سرقة التيار والامتناع المتبادل عن الدفع نتيجة العجز عن السداد.

الانفجار الاجتماعي: تحول الجرع السعرية المتتالية إلى شرارة لعدم الاستقرار السياسي، حيث تتجاوز تكلفة السيطرة الأمنية وتوقف العجلة الاقتصادية حجم الأموال الموفرة من تقليص الدعم.

الفساد المالي والإداري: إعادة تمويل شبكات النفوذ

تزداد المشكلة عمقاً عندما تتجاوز كلفة الفساد المالي والإداري الميزانية التشغيلية الفعلية لقطاع الطاقة. في هذه الحالة، يتجرد قرار رفع التعرفة من أي بُعد إصلاحي، ليتحول إلى "ضريبة تحصيل قسرية لإعادة تمويل شبكات الفساد" على حساب جيوب الفئات الأكثر إملاقاً.

يتجلى هذا الاختلال عبر آليات منظمة:

صفقات الطاقة المستأجرة: إبرام عقود طويلة الأمد بأسعار خيالية بالعملة الصعبة لمكافأة النافذين.

استنزاف الوقود والسوق السوداء: تضخيم الكميات المخصصة للمحطات وتسريبها للبيع غير المشروع، وتزويد المولدات بوقود رديء يضاعف كلفة الصيانة.

الفاقد التجاري المسكوت عنه: التغاضي عن كبار المشتركين والقطاعات النافذة التي تستهلك القدر الأكبر دون سداد، وترحيل العجز كخسائر تُجبر الشرائح الضعيفة على تغطيتها.

معضلة "خط البداية": غلبة المالي على الإداري

تكمن الخطيئة المنهجية التي تقع فيها إدارة الأزمات في العجز عن تحديد "خط البداية" الصحيح للإصلاح. تعمد الحكومات عادة إلى تقديم الإصلاح المالي على الإصلاح الإداري والحوكمة لعدة أسباب:

سهولة القرار: الزيادة السعرية تُتخذ بقرار إداري سريع وتنعكس فوراً في جداول الميزانية.

إرضاء الدائنين: تقديم مؤشرات رقمية عاجلة تعكس "الجدية المالية".

تجنب صدام مراكز القوى: تفادي فتح ملفات العقود المشبوهة، والوظائف الوهمية، والتعيينات القائمة على المحاصصة.

لكن صب الأموال في جهاز إداري متهالك وفاسد لا يعدو كونه "سكباً للماء في إناء مثقوب"؛ حيث تُبتلع الإيرادات الجديدة داخل نفس شبكات الهدر دون أن تترجم إلى تحسن في جودة الخدمة أو ساعات التغذية.

الطريق إلى الانهيار: تجربة اليمن نموذجاً

تُقدم التجربة اليمنية دراسة حالة مكشوفة لكيفية تحول هذا العور المنهجي إلى مسار حتمي لسقوط المؤسسات.

فعقب إطلاق "برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري" عام 1995 بالاتفاق مع المؤسسات الدولية، اندفعت السلطة بنشاط لتطبيق ما عُرف بـ "الجرع السعرية" المتتالية، بينما عُطّل الشق الإداري والحوكمة بالكامل لحماية مراكز النفوذ.

أدى ذلك إلى تداعيات متسلسلة:

تضخم ظاهرة الأسماء الوهمية والازدواج الوظيفي في القطاعين المدني والعسكري كأداة لشراء الولاءات، مما التهم العوائد المحصلة من رفع الدعم.

استفحال صفقات الطاقة المستأجرة والعبث بوقود المحطات، مما حال دون بناء بنية تحتية استراتيجية لتوليد الكهرباء.

تراكم المظالم الإدارية والسياسية التي تجلت في ملف التسريح والإبعاد عقب حرب 1994، وكانت المظلمة الإدارية والمالية الشرارة التي أطلقت الحراك السلمي الجنوبي عام 2007.

عندما جاءت لحظة الاختبار في عام 2011، انكشف الغطاء عن هيكل مؤسسي أفرغه الفساد الإداري والجباية المالية من مضمونه؛ فلم تكن هناك مؤسسات صلبة قادرة على استيعاب الصدمة، بل شبكات مصالح انفرط عقدها فور تساقط مركز السلطة، لتهوي الدولة بكاملها في الفراغ.

كلمة أخيرة

إن تحويل الخدمات الأساسية - وعلى رأسها الكهرباء - إلى مجرد أرقام في جداول التكيف المالي دون البدء بإصلاح إداري حقيقي وحوكمة صارمة للموارد، ليس مساراً للإصلاح بل هو إدارة بائسة للأزمات. وكما أثبتت التجارب التاريخية والحديثة، فإن الدولة التي تبدأ إصلاحها بجباية الأموال من الفقراء وتترك ثقوب الفساد الإداري مفتوحة، لا تُصلح اقتصادها... بل تضع قدمها على الخطوة الأولى في مسيرة الانهيار.