آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-11:59م

من يحاسب السلطة التنفيذية؟ حين تغيب الرقابة ويصمت الجميع

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 04:42 م
عبدالله الجفري


لم تعد معاناة المواطن اليمني مجرد أزمة اقتصادية عابرة، ولا مجرد نتيجة لسنوات الحرب، بل أصبحت انعكاساً لتراكم الإخفاقات السياسية والإدارية، وغياب الإرادة الحقيقية للإصلاح، وتعطل مؤسسات الرقابة والمساءلة التي يفترض بها حماية المال العام وصون حقوق المواطنين.


لقد وصل المواطن إلى مرحلة لم يعد يسأل فيها: متى ستتحسن الأوضاع؟ بل أصبح يسأل: من يحاسب السلطة التنفيذية؟


إلى متى سيستمر استنزاف المال العام بينما يعيش الشعب أسوأ ظروفه المعيشية؟ وإلى متى ستظل الامتيازات والمخصصات والإعاشات والبدلات والسفر الخارجي تستنزف موارد الدولة، في وقت يعجز فيه المواطن عن توفير متطلبات الحياة الكريمة، ويكافح الموظف الحكومي عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات أسرته، ويبحث المريض عن العلاج، والطالب عن تعليم كريم؟، ويعيش المواطن بين انقطاع الكهرباء وشح المياه وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة؟


إن المال العام ليس ملكاً للسلطة، ولا للمسؤولين، بل هو ملك للشعب، ومن يتولى إدارته يحمل أمانة وطنية وأخلاقية وقانونية تستوجب الشفافية والمساءلة.


وتقع مسؤولية إدارة الدولة على عاتق السلطة التنفيذية بمختلف مكوناتها، باعتبارها الجهة المنوط بها رسم السياسات العامة، والإشراف على تنفيذها، وضمان حسن إدارة مؤسسات الدولة وحماية المال العام. ومن ثم فإن أي تقييم للأداء أو مساءلة عن الإخفاق يجب أن ينصرف إلى السلطة التنفيذية بكل مستوياتها، لا إلى جهة واحدة دون أخرى.


وفي الدول التي تحترم مؤسساتها، لا تترك السلطة التنفيذية دون رقابة، لأن السلطة إذا غابت عنها المحاسبة تحولت إلى بيئة خصبة للفساد وسوء الإدارة وإهدار الموارد. ولهذا منح الدستور والقوانين البرلمانات صلاحيات مساءلة السلطة التنفيذية، واستجواب المسؤولين، ومراجعة الموازنات، ومراقبة الإنفاق العام، وإحالة المخالفات إلى الجهات المختصة.


لكن ماذا حدث في اليمن؟


أين مجلس النواب؟


أين جلسات الاستجواب والمساءلة؟


أين لجان تقصي الحقائق؟


أين التقارير التي تكشف للرأي العام حقيقة الإيرادات وأوجه الإنفاق؟


وأين الرقابة على المخصصات والنفقات التشغيلية والإعاشات والسفر والعقود الحكومية؟


إن غياب الرقابة لا يضر بالسلطة التنفيذية وحدها، بل يضر بالدولة بأكملها، لأنه يضعف ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ويفتح المجال أمام الفساد وسوء الإدارة، ويجعل المال العام بعيداً عن الرقابة المجتمعية والقانونية.


ولا تتوقف المسؤولية عند مجلس النواب وحده، بل تمتد إلى الأحزاب السياسية التي يفترض أن تكون شريكاً في حماية المصلحة العامة، ومدافعاً عن الدستور، وصوتاً للمواطن في مواجهة أي انحراف أو تقصير.


فأين الأحزاب التي كانت ترفع شعارات مكافحة الفساد، وحماية المال العام، والعدالة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق المواطنين؟


ولماذا تراجع حضورها في اللحظة التي أصبح فيها المواطن أحوج ما يكون إلى موقف سياسي واضح ومسؤول؟


إن وظيفة الأحزاب لا تنتهي بالمشاركة في السلطة، ولا تختزل في تقاسم المواقع، بل تبدأ من ممارسة الرقابة السياسية، وتقويم الأداء، والدفاع عن مصالح المجتمع، سواء كانت مشاركة في السلطة أو خارجها.


وعندما يغيب هذا الدور، يصبح من حق المواطن أن يتساءل:


هل تراجعت الأولويات الوطنية أمام الحسابات الحزبية؟


وهل أصبحت المحافظة على النفوذ السياسي أهم من الدفاع عن حقوق الناس؟


إن هذه الأسئلة ليست اتهامات، بل تعبر عن حالة من القلق المشروع والإحباط المتزايد في الشارع اليمني، في ظل استمرار التدهور المعيشي وضعف الأداء المؤسسي.


لقد دفعت المحاصصة السياسية بالدولة إلى تضخم الهياكل الحكومية، وتعدد مراكز القرار، وإضعاف الكفاءة الإدارية، بينما بقي المواطن وحده يتحمل كلفة هذا الواقع.


فالتعيين على أساس الولاءات والمحاصصة، بدلاً من الكفاءة والنزاهة، لا يؤدي إلا إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وزيادة الإنفاق العام، وتعطيل الإصلاح، وتكريس غياب المساءلة.


ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، وإنما بإصلاح منظومة الحكم نفسها، عبر ترسيخ مبادئ الشفافية، والإفصاح عن البيانات المالية، وتمكين الأجهزة الرقابية والقضائية من أداء مهامها باستقلالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يبقى المال العام بعيداً عن أعين المواطنين.


لقد تعب اليمنيون من الوعود، ومن تبادل الاتهامات، ومن تعليق كل الإخفاقات على شماعة الحرب.


فالحرب لا تبرر تعطيل الرقابة، ولا تبرر سوء الإدارة، ولا تبرر إهدار الموارد، ولا تبرر صمت المؤسسات التي منحها الدستور مسؤولية حماية المال العام ومساءلة السلطة التنفيذية.


إن الدولة التي تغيب فيها المساءلة لا تستطيع أن تبني مؤسسات قوية، ولا أن تستعيد ثقة مواطنيها. فالمحاسبة ليست خياراً سياسياً، بل هي أساس الحكم الرشيد، والضمانة الحقيقية لحماية المال العام وصون حقوق المواطنين.


وسيظل السؤال قائماً ما لم يجد الشعب إجابة واضحة:


من يحاسب السلطة التنفيذية إذا غابت الرقابة البرلمانية؟


ومن يعيد للمؤسسات دورها إذا صمت البرلمان، وتراجعت الأحزاب عن مسؤولياتها الوطنية، وغابت المساءلة الشعبية؟


إن إنقاذ اليمن لن يتحقق بتغيير الحكومات أو المسؤولين فحسب، بل بإحياء ثقافة المساءلة، وتفعيل مؤسسات الرقابة، وإخضاع جميع سلطات الدولة لسيادة القانون، لأن الأوطان لا تبنى بالصمت، ولا تدار بالمحاصصة، ولا تنهض إلا عندما يصبح المسؤول خادماً للشعب، ويصبح المال العام أمانة لا غنيمة، وتصبح المحاسبة قاعدة لا استثناء.