آخر تحديث :الخميس-30 يوليو 2026-12:00ص

كِنــدة الملـــوك هل من عودة؟!

الأربعاء - 29 يوليو 2026 - الساعة 04:01 م
محمد أحمد بالفخر


يقول بعض المؤرخين إن كِنده قبيلة قحطانية كانت تقيم في حضرموت منذ قرونٍ طويلةٍ، مجاورة لقبيلة حضرموت الأم وكل قبيلة لها مملكتها ونفوذها.

وسميت قبيلة كندة بـ "كندة الملوك" لأنها أسست مملكة كندة الكبرى في وسط الجزيرة العربية وعاصمتها "الفاو"، ولأن ملوكها تولّوا الحكم وساسوا القبائل ونصبوا أبناءهم أمراء ورؤساء عليها في فترة ما قبل الإسلام.

وبعد البعثة النبوية وهجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة كان رجال كندة وملوكها في المقدمة من القادمين إلى المدينة مُسلِمين طائعين لله ورسوله، وكان لعدد من رجال قبيلتي كندة وحضرموت شرف صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان فرسانهما في مقدمة الصفوف في جيوش الفتح الإسلامية في القادسية واليرموك وفي فتح فلسطين ومصر وشمال أفريقيا والأندلس، وكان حضورهم المميز في مجالات عديدة.

وكان لهم في القرون المتأخرة شرف دخول الملايين في دين الله من أبناء جنوب شرق آسيا وسواحل أفريقيا من خلال الدعوة إلى الله بالسلوك الحسن الذي فتحوا به القلوب.

وهذا ما هو إلاّ امتداد لثقافة أولئك الأوائل الذين كانوا نجوماً ساطعة على مدى التاريخ الإسلامي بداء ممن نالوا شرف صحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن جاء بعدهم على مدى القرون كلها كالمقداد ابن الأسود والعلاء ابن الحضرمي والأشعث بن قيس الكندي وشرحبيل بن حسنة والقاضي الشهير شُريح الكندي والإمام عبد الله بن يحيى الكندي الملقب بطالب الحق إلى ابن خلدون الحضرمي والمتنبي والمقنع الكندي وغيرهم الكثير والكثير من النجوم اللامعة في كل العصور إلى عصرنا الحديث لا أستطيع حصرهم في هذه العجالة.

وقد استوطن الكثير من أبناء كندة وحضرموت في كافة الأمصار التي تم فتحها وانتقلت إليهم أسرهم وكانت هذه هجرة طوعية.

وبقيت حضرموت من مناطق الأطراف البعيدة عن مراكز التأثير في الدولة الإسلامية سواء أيام المدينة المنورة أو دمشق وبغداد وغيرها من المناطق التي ذاع صيتها وازدادت أهميتها على مدار التاريخ الإسلامي.

وفي الوقت نفسه تعرّضت حضرموت لهجمات استئصالية ابتداء من حملة عكرمة بن أبي جهل وبعدها حملة جيوش بني أمية بعد فشل ثورة طالب الحق وكذلك في زمن العباسيين الحملة الأسوأ التي قادها معن بن زائدة، ثمّ حملات الأيوبيين والرسوليين والصليحيين.

وكلها نتج عنها قتل وتشريد وهجرة قسرية وصحبها استيطان لقبائل أخرى وجدت في حضرموت مغنماً وموطناً جديداً لها على حساب أبنائها ونتج عن ذلك تنمّر واستعلاء من القادمين وخاصّة أنهم شكّلوا تحالفات سهّلت لهم السيطرة والتمكين، ونتج عنه استضعاف وامتهان للكثير من أهل البلد وتم الاستسلام بطرق متعددة وثُبِّتَت ثقافة التمايز الطبقي المقيت على المجتمع إلى أن وصلنا إلى عصر الدول الوطنية وثقافة سايكس وبيكو وبالفعل غاب الحضور الفعلي لقبيلة كندة وتفرّق رجالها وتم الغياب حتى من كتب التاريخ التي طُمست أو غيّبت بفعل فاعلين، وهنا يطول الكلام ونكتفي بالإشارة فقط.

في الأسبوع الماضي تابعت عن بعد خبر ذلك التجمع الذي دعت إليه قبائل باكوبن الأخماس الكندية في منطقة رباط باكوبن في وادي عمد وحضر فيه الآلاف من أبناء قبيلة كندة وعدد كبير من مقادمة ومشايخ القبائل الأخرى.

وقد كان اللقاء عبارة عن لقاء تعارفي بين أبناء كندة وأبناء القبائل الأخرى كما أخبرني بذلك الشيخ علي العِمر باقادر الذي قال إن اللقاء يهدف إلى تدارس الحلول للخروج بأفكار تساهم بالخروج من دوائر التخلف والجهل والفقر وبالتالي مطالبة الوجهاء والمقادمة بتحمل مسؤوليتهم للخروج من هذه الدوائر المظلمة والذي لن يكون إلاّ بنبذ التفرقة العنصرية أولاً وبإشاعة التعليم الجامعي والمهني لأبناء حضرموت جميعاً وإيجاد فرص العمل ولو في أماكن الاغتراب، والابتعاد عن المظاهر السلبية ومنها حمل السلاح الذي أصبح يشكل حالة من التقزز عندما ترى كل شخص يحمل سلاحه على كتفه حتى في المقابر وأماكن العزاء والأفراح، وهذا في حد ذاته منظر غير حضاري بل هو من مناظر التخلّف بذاتها.

اللقاء في حد ذاته خطوة في الطريق الطويل وقطعاً سيكون له أثره في قادم الأيام وبالتأكيد أن هناك من رجال كندة من لديهم القدرة والإمكانيات لإعادتها إلى مكانها المرموق الذي ينبغي أن تكون فيه كما كانت في سالف الأزمان.