مع كل عودة دراسية يتكرر المشهد نفسه بلا تغيير. بيان رسمي من وزارة التربية والتعليم يحدد تواريخ الدوام والخطط والاختبارات بكل دقة وانضباط، وكأن كل شيء على ما يرام. وفي الجهة المقابلة يقف المعلم في الطابور الصباحي بجيب خاوٍ وقلب مثقل. لا مرتب يصرف في وقته، ولا علاوة وصلت، ولا زيادة وعدت بها الحكومة بعد رفع الجمارك والضرائب. السؤال الذي يطرحه بصمت بات واضحاً: من الذي يدفع ثمن هذا التعليم؟*
*الأزمة اليوم تجاوزت ملف الرواتب. ما يجري هو قرار غير معلن بالتعامل مع المعلم كأداة تنفيذ فقط. يُطلب منه أن يلتزم بالمنهج ويغطي المنهج وينجح الطلاب ويضبط الطابور، بينما يُتجاهل تماماً وضعه المعيشي وحقوقه الأساسية. كأن المطلوب منه أن يخدم أبناء الجميع، وعلى الجميع أن يرسموا له الخطط ويحاسبوه إن قصّر، دون أن يلتفت أحد إلى ما ينقصه هو.*
*قبل أسابيع رُفعت كشوفات العلاوات المستحقة. فرح المعلمون ثم صُدموا. وجدوا تلاعباً في الحسابات وخصومات غير مفهومة وتأجيلاً بلا مبرر. المشهد لم يعد يشبه دولة توفي بالتزاماتها تجاه موظفيها، بل أشبه بتقاسم غنيمة. وفي الوقت نفسه تمضي الحكومة في رفع الأسعار بحجة دعم الخدمات، وتعد بزيادة تقابلها للموظفين، ثم تختفي الوعود. يرتفع كل شيء، إلا راتب المعلم.*
*والأدهى أن كل هذا يحدث في ظل تدفق منح ومعونات تعليمية من دول صديقة ومنظمات دولية. لكن الحكومة والوزارة تتعامل مع التعليم كواجهة للحصول على الأموال لا كمشروع وطني. المهم في التقارير أن "المدارس مفتوحة" حتى لو كانت بلا كتب ولا طباشير ولا حتى مرتب يحفظ كرامة من يقف في الفصل.*
*اليوم المعلم خارج كل الحسابات. لا التحالف الذي يمسك فعلياً بزمام البلد يسأل عنه، ولا الحكومة التي جاء بها، ولا السلطات المحلية التي تضاعفت مواردها أضعاف ما كانت عليه من قبل. الكل تركه وكأن هذه السنوات العجاف خُصصت لإنهاء التعليم. تُفتح المعسكرات بدل المدارس، ويُسحب الطلاب ليكونوا وقوداً في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بينما يُترك المعلم يواجه الجوع وحده.*
*وهنا تأتي المفارقة التي توجع. كثيرون يرون في عفاش سبباً في ما وصلنا إليه، لكنه في المقابل كان الوحيد الذي التزم نسبياً بصرف حقوق المعلمين. أما من أتوا بعده وبحوزتهم أموال وموارد لم يملكها من سبقهم، فقد فشلوا. ليس لأن الإمكانيات ناقصة، بل لأن النية الصادقة في بناء الوطن غائبة.*
*المعلم الآن أمام مفترق طرق. إما أن ينتظر حقوقه كاملة في بلد لا أحد يضمن متى ستأتي، أو أن يفتح المدرسة تحت الضغط ليستمر عرض "التعليم الشكلي" الذي يرضي المانحين فقط. وإذا استمر الحال فالنتيجة معروفة سلفاً: كفاءات تهرب من المهنة، وأسر تخرج أبناءها من المدارس لعدم قدرتها على توفير أبسط المتطلبات، وجيل كامل يحصل على شهادة بلا تعليم حقيقي.*
*القضية ليست سوء إدارة يمكن إصلاحه بقرار. هي خيار سياسي واضح. خيار يقول إن جودة التعليم وكرامة المعلم ليست أولوية. الأولوية هي أن تظل المدرسة مفتوحة على الورق حتى تستمر الأموال في التدفق.*
*التعليم لا يُبنى ببيانات ولا بجداول. يُبنى بمعلم شبعان ومكرّم وآمن. ما دون ذلك هو استثمار مباشر في الفشل، ودفع بالبلد كله نحو مستقبل بلا عقول.*
*فهل سينجح الضغط المجتمعي والإعلامي هذه المرة في ربط فتح المدارس بصرف الحقوق؟ أم أننا مقبلون على عام دراسي جديد عنوانه الشعارات وتفاصيله الجوع؟*