في زمن يطير فيه الإنسان خارج غلاف الأرض، ويحادث الآلة كما لو كانت صديقا، ويصنع عقولاً رقمية تفكر وتتعلم… يعود فجأة ليمد يده نحو الغيب، لا دعاء ولا يقينا، بل استسلاما لورقة، أو فنجان، أو صوت يدعي أنه يرى ما لا يرى.
أي تناقض هذا؟
نحن لا نعيش مجرد مرحلة علمية… نحن نعيش انقساما داخليا حادا. نصف العقل يبني، ونصفه الآخر يهدم. نصفه يؤمن بالتحليل، والنصف الآخر يهرب إلى التفسير الوهمي. وهنا تبدأ الأزمة… ليس في وجود المشعوذين، بل في حاجة الناس إليهم.
المشكلة ليست في قارئ الكف… المشكلة في يد مرتعشة تبحث عن طمأنينة بأي ثمن.
لماذا يحدث هذا؟
لأن الإنسان حين يفقد السيطرة على واقعه، يبدأ في البحث عن أي شعور زائف بالتحكم.حين تضيق الحياة، يصبح المستقبل مخيفا… وعندها، لا يريد الإنسان حقيقة، بل يريد إجابة، حتى لو كانت كذبة مريحة.
نحن أمام ثلاثة أسباب خطيرة:
الفراغ النفسي:عندما يغيب المعنى الحقيقي للحياة، يبحث الإنسان عن أي قصة يصدقها.
الهروب من المسؤولية:بدلا من أن أقول: أنا السبب… أقول: حظي سيئ، برجي منحوس، أو هناك من عمل لي عملا.
ضعف الوعي العلمي:نستخدم التكنولوجيا… لكننا لا نفكر بعقل علمي. نستهلك العلم ولا نعيه.
وهنا تولد الازدواجية:
طبيب يشرح لك أحدث علاج… ثم يسأل عن طالعه.رجل أعمال يخطط بالملايين… ثم يغير قراره بسبب “قراءة فنجان”.امرأة مثقفة… لكنها تنتظر رسالة من مجهول يخبرها عن مستقبلها.
كيف نعالج هذا الخلل؟
الحل لا يكون بمحاربة الظاهرة فقط… بل ببناء الإنسان.
نحتاج إلى تعزيز الوعي، لا بتلقين المعلومات، بل بتعليم التفكير.
نحتاج إلى تحصين نفسي، يعيد للإنسان ثقته بذاته، لا تعلقه بالأوهام.
نحتاج إلى خطاب ديني وعقلي متوازن، يرسخ الإيمان الحقيقي، لا الخرافة.
نحتاج إلى قدوات واعية، تجسد الاتساق بين العلم والسلوك.
لأن المجتمع لا ينهار حين يجهل… بل حين يعرف ويتجاهل.
خاتما:
ويا للمفارقة…نضيء شاشاتنا بأحدث ما وصل إليه العقل البشري،ثم نطفئ عقولنا أمام أوهام لا ظل لها.
نبني علوم تعانق السماء،ونعجز عن تثبيت أقدامنا على أرض اليقين.
كأن الإنسان كلما تقدم خطوة في الخارج…تراجع خطوتين في الداخل.
فليس الخطر أن نجهل الطريق…بل أن نعرفه، ونختار الضياع.