آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-11:26م

لقد كنت جميلة ذات يوم

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 09:52 م
د. عوض احمد العلقمي


أتحدث عن تلك الحاضرة التي يحتضنها شاهق منيع من رواسي الأرض ، يطل عليها من الجهة الجنوبية ، يمنع عنها الشر ، ويمدها بالخير ، يتصدى لأشعة الشمس المحرقة حتى لا تضر بجميلته ، في الصباح يمد أستارا من ظله الوارف على وجهها الجميل ، ومفاتنها الرائعة ؛ ليحفظ رونقها ، ويغذي رواءها ، وفي المساء يعكس مصابيحا متوهجة نحوها ، يعجز قاطنها التمييز بين تلك المصابيح ، أهي من صنع المخلوق أم من إبداع الخالق ؟ أهي من مصابيح الساكنين في أعلى الجبل أم هي من نجوم السماء التي تكاد تلامس ذلك الشاهق البديع ؟

عرفتها في سبعينيات القرن المنصرم ، وأنا طفل لاذ بحجرها بعد أن نجا من الموت ، فكانت الحضن الدافئ لي ولأمثالي ممن شملهم الجور ، وتملكهم الظلم في بلداتهم ، استنشقت عبير الياسمين في ليل أزقتها وحاراتها ، وفي صباحاتهاأكلت تينها اللذيذ ، الذي كنا نبتاعه من بنات الجبل في زنابيل صحية صغيرة ، صنعت بأيديهن ، ثم يفرشن تلك الزنابيل بأوراق التين الخضراء ، فيضعن حبيبات التين البنفسجية عليها ، ثم يسترنها بالورق الأخضر نفسه من الأعلى ، كنا ننتظر تلك الفتيات الجميلات ، المستورات بثوب متميز ، يجسد الهوية العربية الأصيلة ، والثقافة اليمنية الناهلة من ينابيع التاريخ ، متمشقرات بالكاذي ، الذي يعجز أي كاتب توصيف رائحته الغريبة الفريدة الساحرة ، مطليات الوجوه بالكركم الذي يحمي البشرة من سخونة الريح ، وحرارة الشمس .

عرفتها وأبناؤها يسخرون ممن يحمل الحديد ، ويتسابقون من أجل المعرفة والتجديد ، عرفتها وهي لا تعرف إلا الجمال ، ولا يفكر أبناؤها إلا في الكمال ، حقا لقد كانت تلك الحاضرة الجميلة واسطة العقد ، كان الجبل يغسل وجهها بالمطر صباح مساء ، وينظف بدنها صيفا وشتاء . آه كم كنت جميلة يا حاضرة العلم والمعرفة ، وموطن الثقافة والأدب !!!