في الدول المحترمة، عندما ينهار الاقتصاد تُخفَّض النفقات.
وعندما تتراجع موارد الدولة تُدمج الوزارات.
وعندما تفشل الحكومة يُغيَّر الوزراء.
أما عندنا، فكلما تقلصت الدولة… تضخمت الحكومة!
وكلما قلت الموارد… كثرت المناصب!
وكلما اشتدت الأزمة… خرجت علينا قرارات تعيين جديدة!
حتى أصبح المشهد أشبه بمسرح سياسي عبثي: دولة لا تزال تبحث عن ملامحها، واقتصاد يتهاوى، وصراعات عسكرية وسياسية، ومواطن يطحنه الغلاء، وفي المقابل حكومة تقارب الثلاثين وزيرًا، فضلًا عن جيش من الوكلاء والمستشارين والسفراء ورؤساء الهيئات.
والسؤال البسيط الذي يبدو أن أحدًا لا يريد سماعه:
ماذا يفعل كل هؤلاء؟
ثلاثون وزيرًا… على ماذا؟!
نحن لا نتحدث عن دولة صناعية عظمى تدير اقتصادًا بتريليونات الدولارات.
نتحدث عن سلطة تعيش واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة.
ومع ذلك، يبدو أن الحل السحري لدى منظومة رشاد العليمي هو المزيد من المناصب!
وزارة لهذا.
وهيئة لذاك.
ومنصب لإرضاء هذا الطرف.
وكرسي لإسكات ذاك.
وكأن خزينة الدولة بئر نفط لا ينضب، وكأن المواطن الذي يعاني من تدهور الخدمات مطالب أيضًا بتمويل حفلة المحاصصة إلى ما لا نهاية.
هذه ليست حكومة بالمعنى المؤسسي.
هذه، في تقديري، بورصة مقاعد سياسية.
والزنداني… من الصيدلة إلى قمة الدبلوماسية!
ثم تأتي واحدة من أغرب صور التعيينات: وزارة الخارجية.
الخارجية ليست وزارة هامشية.
إنها واجهة الدولة أمام العالم، ومطبخ السياسة الدولية، والمكان الذي يفترض أن تجتمع فيه خبرة عشرات السنين في الدبلوماسية والتفاوض والعلاقات الدولية.
ثم نجد على رأسها شائع الزنداني، صاحب الخلفية الأكاديمية في الصيدلة.
ولا أحد ينتقص من الصيدلة؛ فهي علم محترم وأهلها على الرأس والعين.
لكن السؤال:
ما علاقة الصيدلة بإدارة أعلى مؤسسة دبلوماسية في الدولة؟
هل انتهى الدبلوماسيون؟
هل اختفت الكفاءات السياسية؟
هل لم يعد هناك من راكم عشرات السنوات في السفارات والمنظمات الدولية والمفاوضات؟
المشكلة ليست في شهادة الرجل.
المشكلة في فلسفة التعيين.
لأن الدولة التي لا تضع الرجل المناسب في المكان المناسب لا ينبغي أن تستغرب عندما تحصل على النتائج غير المناسبة.
لكن مهلاً… بقيت الأعجوبة الثامنة!
نصل الآن إلى الشخصية التي تستحق فصلًا مستقلًا في كتاب غرائب السياسة:
معمر الإرياني.
وزير الإعلام!
أو كما أحب أن أسميه سياسيًا:
«وزير البربرة»!
هذا الرجل بالنسبة لي من عجائب الدنيا.
بل إن عجائب الدنيا السبع ظلمت نفسها حين لم تترك له الرقم ثمانية!
😳
منذ أن دخل الرجل الوزارة، تغيرت حكومات، وتبدلت تحالفات، وسقط مسؤولون وصعد آخرون، وتغير رؤساء حكومات ووزراء ووجوه…
والإرياني باقٍ!
الأحداث تتغير.
الحكومات تتغير.
السياسات تتغير.
حتى العالم من حوله يتغير.
أما كرسي وزارة الإعلام، فكأن بينه وبين الإرياني عقدًا أبديًا لا نعرف بنوده!
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
ما الإنجاز الإعلامي الخارق الذي يجعل الرجل عصيًا على التغيير؟
أين المؤسسة الإعلامية القوية التي بناها؟
أين الخطاب الذي استطاع التأثير في الرأي العام؟
أين القوة الناعمة؟
أين المنظومة الرقمية الحديثة؟
أين الإعلام الذي استطاع منافسة خصومه أصلًا؟
نريد إنجازًا واحدًا استثنائيًا يفسر لنا سر هذا الخلود الوزاري!
أما البيانات والتصريحات والمناسبات والصور، فهذه يستطيع مكتب علاقات عامة القيام بها.
وزير الإعلام يجب أن يصنع إعلام دولة، لا أن يكون مجرد ماكينة تصريحات.
ولهذا، ومن وجهة نظري الشخصية، لا أرى أن أداء الإرياني يؤهله لإدارة مؤسسة إعلامية بحجم وزارة، ولا حتى سوق للنعاج!
قد يغضب البعض من العبارة.
لكن الذي ينبغي أن يغضبنا أكثر هو أن يبقى وزير سنوات طويلة دون أن يعرف المواطن بأي معيار استمر، وما مؤشرات الأداء التي اجتازها، ومن الذي حاسبه أصلًا.
السر ليس في الإرياني… السر في الكرسي!
والإنصاف يقتضي القول إن المشكلة ليست الإرياني وحده.
الإرياني مجرد نموذج ممتاز لفهم النظام كله.
لأنه عندما تستطيع شخصية سياسية البقاء عبر كل هذه التحولات، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بقدرات الشخص وحده.
بل يصبح السؤال:
كيف تعمل منظومة السلطة؟
من يعين؟
ومن يقيل؟
ومن يحاسب؟
وهل الوزير مسؤول أمام مؤسسة فعلًا، أم أن بقاءه مرتبط بمعادلات وحصص وتوازنات لا علاقة للمواطن بها؟
هنا نفهم لماذا يعيش بعض المسؤولين أكثر من الحكومات التي عينتهم.
إنها جمهورية الكراسي.
تتغير اللافتة…
ويبقى الجالس!
هذه هي «الدحبشة» التي نتحدث عنها
ولكي لا يُساء فهم المصطلح:
عندما أقول «الدحبشة»، فأنا لا أتحدث عن منطقة أو قبيلة أو مواطن بسيط.
أنا أتحدث عن عقلية سياسية وإدارية.
الدحبشة عندي هي أن يتحول الوطن إلى حصص.
وأن يصبح المنصب مكافأة.
وأن يُقدَّم الولاء على الكفاءة.
وأن تُخترع الوظائف لإرضاء الأشخاص.
وأن يصبح السؤال عند التعيين:
من حصته هذا الكرسي؟
بدلًا من:
من يستحق هذا الكرسي؟
هذه العقلية هي التي أوصلت مؤسسات الدولة إلى هذا المستوى من الترهل.
دولة تتقلص… وحكومة تنتفخ!
وهذه ربما أكثر مفارقات المشهد سخرية.
مساحة النفوذ الفعلي تتقلص…
لكن عدد المسؤولين يتكاثر.
الإيرادات تتراجع…
لكن المناصب لا تتراجع.
الاقتصاد يئن…
لكن حفلة التعيينات مستمرة.
المواطن يبحث عن الكهرباء والراتب والخدمة…
والسياسي يبحث عن كرسي جديد لأحد أتباعه!
أي منطق هذا؟
لو كنت أمام شركة خاصة تعاني نصف هذه الظروف، لكان أول قرار لمجلس إدارتها:
إعادة الهيكلة.
خفض المصروفات.
دمج الإدارات.
إلغاء الوظائف القيادية غير الضرورية.
وتغيير المدير الذي لا يحقق نتائج.
أما هنا، فيبدو أن الفشل نفسه قد يصبح سببًا للاستمرار!
يا رشاد العليمي… أغلق دكان المناصب
إذا أراد رشاد العليمي أن يقدم قرارًا يحترمه الناس، فلا يحتاج إلى تعيين عشرين مسؤولًا جديدًا.
يحتاج إلى إلغاء عشرين منصبًا لا ضرورة لها.
قلّص الحكومة.
ادمج الوزارات.
أوقف التعيينات السياسية.
انشر ميزانيات المؤسسات.
ضع لكل وزير مؤشرات أداء معلنة.
ثم قل للمواطن بعد عام:
هذا الوزير أنجز فبقي.
وهذا فشل فرحل.
عندها فقط نستطيع الحديث عن دولة.
أما أن يستمر تدوير الأشخاص وتوزيع المقاعد، فهذه ليست إدارة دولة.
إنها إدارة محاصصة.
الدولة ليست غنيمة
المناصب العامة ليست إرثًا.
وليست معاشًا سياسيًا.
وليست جائزة ترضية.
وليست ملكية خاصة يمنحها الحاكم لمن يشاء ثم ينساه فوق كرسيه عشر سنوات.
الوزارة وظيفة لخدمة الناس.
والوزير موظف لدى الدولة.
وإذا فشل الموظف، يُستبدل.
ببساطة.
أما أن يصبح بعض الوزراء جزءًا من أثاث الوزارة، يتغير المبنى ولا يتغيرون، فهذه مشكلة تستحق أكثر من السخرية.
تستحق المحاسبة.
وأخيرًا…
رشاد العليمي والزنداني ومنظومة التعيينات الحالية لا يحتاجون إلى المزيد من البيانات التي تشرح للناس أنهم يعملون.
الناس تريد أن ترى نتيجة العمل.
تريد حكومة أصغر.
أكفأ.
أرخص.
وأكثر قدرة على اتخاذ القرار.
تريد وزير خارجية بمستوى خطورة الخارجية.
ووزير إعلام يصنع إعلامًا لا «بربرة».
وتريد أن تعرف لماذا يبقى المسؤول، ولماذا يرحل، وماذا أنجز بين لحظة دخوله الوزارة ولحظة خروجه منها.
أما استمرار المشهد الحالي، فسيتركنا أمام المفارقة الأكثر إيلامًا:
ثلاثون وزيرًا يبحثون عن دولة…
وشعب يبحث عن حكومة!
وعندما تصبح الكفاءة آخر شروط التعيين، فلا تسألوا بعد ذلك:
لماذا انهارت الدولة؟
اسألوا:
كيف بقي منها شيء أصلًا؟