على سبيل المثال لا الحصر، كانت السودان بعد الثورة على البشير تعاني، ولكن بشكل أقل، وكانت لديها مخارج كثيرة من أزمتها. وكانت مصر —الدولة الكبيرة وصاحبة العمق الجغرافي هناك— تنظر وتراقب المشهد. فبينما كان الصراع في السودان بين العسكر والمدنيين، كان النظام المصري خائفًا من التدخل لحسم ملف السودان، أو لنقل: دفعه نحو حلول ترضي الشارع.
فقد حُصرت مصر بين بقايا النظام الإخواني السابق في الجيش، وبين الدعم السريع المشكَّل حديثًا والمدعوم خليجيًا، وبين شارع مدني يدعو لسلطة النظام والقانون، لكنه يرعب النظام المصري الذي ينظر إلى الثورة بأنها خطر محدق بمصر. تُركت الأمور وكانت تتدرج وتكبر يومًا بعد يوم حتى الانفجار، فكانت أول قاعدة مصرية تسقط في أحداث السودان، ويُؤسر المئات من جنودها وتُدمر طائرات لها.
واليوم، شاهدوا السودان؛ فقد ذهبت مصر مجبرة لدعم الجيش السوداني المتهم بعلاقته بالنظام السابق وأقطاب الشخصيات الإخوانية بالبلد، بينما ذهبت إثيوبيا —عدوتها التاريخية— نحو الدعم السريع، وسقط السودان في مستنقع الدمار والموت ولا منتصر فيه.
يشابه الملف اليمني الملف السوداني كثيرًا، فجوار المملكة لا يكفي ليحل مشاكل البلد أو يسير بها نحو الأمان.
فخطاب الكراهية يكبر يومًا بعد يوم، وواقع الإنسان المعيشي يغير المزاج العام نحو العداء لها، وسياسيون يسببون ذلك الجو الملتهب فوق أحداث يناير التي لم تُنسَ حتى الآن. فحربٌ مثل حرب اليوم أكثر خطورة من حروب الأمس، وجبهة داخلية مضعضعة ومفككة لن تحرز نصرًا ولن تحسم أمرًا.
فأمامك الحوثي الذي يسابق الوقت لينتزع ما يستطيع، وهو يعلم أن القوى أمامه ليست بخير، وخلفك قضايا عالقة لم تُحل ولم تُدفع فيها الأمور نحو الحل.
فمناطق كثيرة في البلد ليست باليد، ومناطق أخرى يصيبها التوجس والخوف، ومناطق أخرى فيها الصراع الداخلي أكبر مما يبدو.
فالضالع وردفان ويافع نافرة، والصبيحة ليست قانعة، وعدن العاصمة ساخطة، وأبين اليوم نافرة، وشبوة ثارٌ تحت الرماد، وحضرموت صراعها الداخلي يشغلها ويعيقها.
فهي تعي —المملكة— أن الأمور ليست طيبة، وأن السكوت والقبول بوضع اليوم خطير، وأن القائمين على الأمر لم يقدموا شيئًا؛ فلا سياستها المباشرة أصابت، ولا الشخصيات المدفوع بها إلى الواجهة قدمت شيئًا.
يحتاج الشارع الجنوبي للتطمين قبل أي شيء، ويحتاج للسمع والنظر في وضعه.
فالخاسر لن ينظر إلى النتائج، فهي لا تضره ولا تغيره، وقد قيل: "لا تهدد من لا يملك شيئًا".
لا تجعلوا السودان لنا مثالًا ولا نموذجًا، وما زال باليد حيلة ومجال.