آخر تحديث :الإثنين-24 أغسطس 2026-03:06ص

لا دولة بلا عدالة... ولا إصلاح حقيقي ما لم يُغلق باب الامتيازات ويُفتح باب تكافؤ الفرص

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 08:28 ص
جمال صالح لهطل


حين يغيب مبدأ العدالة، تتحول الوظيفة العامة إلى امتياز، والمنحة الدراسية إلى مكافأة للمقربين، والسفارات إلى إرث تتوارثه بعض الأسر، بينما يبقى أبناء الفقراء يدفعون الثمن في ميادين القتال، أو يصطفون في طوابير البطالة، أو يطاردون حلم التعليم الذي أصبح بعيد المنال.

إن بناء الدولة لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ بالمساواة أمام القانون، وبمنح الفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق، لا على أساس القرابة أو النفوذ أو المنصب.

ومن هنا، فإن المطالبة بمراجعة شاملة لملف المنح الدراسية والابتعاث الخارجي تعد مطلبًا مشروعًا إذا كان الهدف منها ضمان النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، والتحقق من أن جميع المنح تُمنح وفق معايير معلنة وعادلة، بعيدًا عن أي محاباة أو استغلال للنفوذ.

كما أن التعيين في المناصب العامة يجب أن يقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة، لا على الانتماء العائلي أو المكانة الاجتماعية. فلا يجوز أن تتحول مؤسسات الدولة إلى دائرة مغلقة لا يصل إليها إلا أصحاب النفوذ، بينما يُحرم آلاف الشباب المؤهلين من حقهم في المنافسة العادلة.

أما البعثات الدبلوماسية، فهي واجهة الوطن أمام العالم، وليست ملكًا لأفراد أو عائلات. ومن حق المواطنين أن يطالبوا بإجراء مراجعة شاملة لأداء السفارات والبعثات، وتقييم العاملين فيها وفق معايير مهنية، وإنهاء أي ممارسات تخالف مبادئ الكفاءة أو الشفافية أو تؤدي إلى احتكار الوظائف العامة.

ويقع على عاتق وزير الخارجية مسؤولية قيادة عملية إصلاح مؤسسي حقيقية، تقوم على مراجعة شاملة، والمحاسبة، وإتاحة الفرص للكفاءات الوطنية، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وفي الجانب العسكري، فإن الجندي الذي يقف في خطوط المواجهة يستحق أن يتسلم راتبه كاملًا وفق الأنظمة النافذة، وأي استقطاعات غير قانونية أو ممارسات مالية مخالفة يجب التحقيق فيها وإيقافها ومحاسبة المسؤولين عنها. ونأمل من القيادات العسكرية المختصة، ومنها قيادة محور أبين، مواصلة تعزيز الانضباط المالي والإداري بما يحفظ حقوق الجنود.

إن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح إلا إذا أصبحت مسؤولية الجميع. ومن يملك معلومات أو وثائق عن أي شبهات فساد، فعليه أن يسلك القنوات القانونية المختصة، والأجهزة الرقابية والقضائية، حتى تُبنى القضايا على الأدلة وتتحقق المحاسبة وفق القانون، بعيدًا عن التشهير أو الاتهامات غير المثبتة.

لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن محاربة الفساد تبدأ عندما يخضع الجميع للمساءلة دون استثناء، ويُطبق القانون على الجميع دون تمييز، ويُغلق باب الامتيازات غير المستحقة، وتُفتح أبواب الدولة أمام أصحاب الكفاءة والإخلاص.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى إصلاحات جريئة، وإدارة نزيهة، ودولة مؤسسات، يشعر فيها ابن الفقير وابن المسؤول بأن معيار النجاح واحد، وهو العلم والكفاءة والعمل، لا الواسطة ولا النفوذ.

فالعدل هو أساس الملك، والشفافية هي الطريق إلى استعادة ثقة المواطن، ومكافحة الفساد ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُترجم إلى قرارات وإجراءات ومحاسبة، حتى تقوم الدولة على أسس راسخة من المساواة وسيادة القانون، ويصبح الوطن وطنًا للجميع، لا حكرًا على أحد.