آخر تحديث :الإثنين-27 يوليو 2026-11:28م

ميزان القهر

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 09:55 م
سناء العطوي


في أورق التاريخ وتحت سياط الصراعات والحروب، لم تكن الخطابات السياسية تُقرأ عبثاً، بل كانت تظهر بلغة الدم والدمار.


ومن بين الأقوال الخالدة التي تكشف بوحشية فلسفة المستبدين، يبرز مثل: "الحجر من القاع والدم من رأس القبيلي".


ولكي نفهم سر هذا المثل ولماذا نطق به الأقدمون، علينا أن نعود للبيئة التي نشأ فيها.


القصة تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، وتحديداً في فترة الصراع على الحكم بين أئمة اليمن (مثل الإمام المهدي عبد الله الذي حكم بين 1816 و1835).

وعندما كانت تدور المعارك بين الأئمة المتنافسين، كانوا يستعينون برجال القبائل لحسم الصراع.


وفي إحدى المعارك التي حدثت فيها أضرار وتهديم للمنازل والأراضي، قيل للإمام إن الخسائر كبيرة والبيوت تدمر، فرد بمقولته الشهيرة: "الحجر من القاع" (أي أن الحجارة والأبنية مأخوذة من الأرض ويمكن دائماً إعادة إعمارها وبنائها من جديد)، أما "الدم من رأس القبيلي" (فإن الدماء والقتلى التي تسفك هي من دماء القبائل التي لا يمكن تعويضها أو إصلاحها).


ومن هذا المشهد التاريخي الواقعي، التقط الأجداد المعنى وإسقاطه على حياة البشر.


فالإنسان الذي يستغل من قِبل السلطة أو المتسلطين، ولا يرتدع، يمارس تماماً فعل الوقود الرخيص.


تبدأ الحكاية بوعود زائفة، ثم شعارات براقة، فعناد سياسي، وهلاك أقتصادي فاحتكاك مستمر في معارك لا تخصه ولا ينال منها شيئاً.


و التخلي عن الرقابة والتوجيه ،ولم يتدخل الوعي لإيقاف هذه الاستهانة بالأرواح، تتحول التضحيات العبثية إلى مأساة مستمرة، ويتطور الصراع إلى ضياع تام للحقوق وسفك لدماء الأبرياء من أجل بقاء الكراسي.


واليوم، لا زلنا نعيش هذا المثل في تفاصيل حياتنا اليومية، وإن اختلف الشكل.


تراه واضحاً في الصراعات الكبرى حين يضحى بالبسطاء لأجل مصالح النخب، وتراه في بيئات العمل الجائرة حين يستنزف المتسلطون جهود الأفراد وصحتهم دون أدنى تقدير، والأدهى من ذلك تجده بوضوح في واقعنا العام، حيث تتقدم المصالح المادية والبنيان على قيمة الإنسان وكرامته.


قالوها لتكون لنا عبرة؛ فالحكمة الحقيقية تكمن في إدراك قيمة الروح الإنسانية ورفض الاستغلال، لأن وعي الإنسان بذاته وحمايتها من حروب الآخرين هو السبيل الوحيد لتجنب عواقبها الوخيمة.