آخر تحديث :الإثنين-27 يوليو 2026-11:28م

مسؤولية الكلمة في زمن المنصات

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 09:54 م
عوض المجعلي


منذ أشهر وأنا أفكر في كتابة هذه الكلمات، ثم أتردد خشية أن يُفهم حديثي على أنه موقف من أشخاص بعينهم أو حساسية تجاه توجه معين. لكن ما أراه اليوم في بعض منصات التواصل الاجتماعي يدفعني إلى إبداء وجهة نظر أعتقد أنها تستحق التأمل والنقاش الهادئ.

هناك توجهان أراهما من أخطر ما يُتداول في فضاء التواصل الاجتماعي، لما يترتب عليهما من آثار أخلاقية واجتماعية قد تتجاوز بكثير ما يظنه ناشروهما.

أولًا: نشر المقاطع الفاضحة والخادشة للحياء

لا خلاف بين العقلاء على أن أي شخص أو جهة ترتكب فعلًا مخالفًا للقانون أو للأخلاق يجب أن تُحاسب، سواء كانت جهة أمنية أو مدنية أو أي صاحب نفوذ. فهذا واجب الدولة والجهات القضائية والرقابية المختصة.

لكن الخلاف يكمن في تحويل تلك المقاطع إلى مادة متداولة بين الناس، تُنشر وتُعاد مشاركتها على نطاق واسع. فليس كل ما يُكشف ينبغي أن يُذاع، وليس كل خطأ يُعالج بتوسيعه ونشره.

إن تداول هذه المقاطع قد يؤدي – من حيث لا يشعر البعض – إلى نتائج عكسية؛ فبدلًا من حماية المجتمع، قد يساهم في تطبيع رؤية المشاهد الفاحشة، ويجعل النفوس تعتادها بعد أن كانت تستنكرها، بل وربما يدفع أصحاب النفوس المريضة إلى البحث عن مثل هذا المحتوى أو تقليده.

ولهذا جاء التوجيه القرآني واضحًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].

كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 32]، وهو توجيه يدل على مراعاة ما قد يثير أصحاب الشهوات، فكيف بالمقاطع والصور التي قد تكون أشد تأثيرًا؟

إن الواجب هو إيصال الأدلة إلى الجهات المختصة، لا تحويلها إلى مادة يتداولها الملايين.

ثانيًا: إعادة نشر مآسي الماضي بطريقة تؤجج الأحقاد

هناك منصات تخصص جانبًا كبيرًا من محتواها لإعادة نشر السير الذاتية لمن قُتلوا في صراعات سياسية أو حزبية أو مناطقية مرت بها بلادنا في مراحل مختلفة.

ولا أحد ينكر حق الضحايا في الإنصاف، ولا أهمية توثيق التاريخ توثيقًا علميًا وأمينًا، لكن الفرق كبير بين التوثيق الهادف، وبين استحضار المآسي بطريقة تعيد فتح الجراح وتوقظ مشاعر الانتقام والكراهية.

فكم من أسرة حاولت أن تتعايش مع مصابها، وجاءت بعض المنشورات لتجدد آلامها بعد سنوات طويلة. وكم من شاب لم يعاصر تلك الأحداث، فإذا به يتلقى روايات مشحونة تدفعه إلى تبني خصومات لم يكن طرفًا فيها.

إن مجتمعنا اليوم أحوج ما يكون إلى بناء الجسور، لا إلى توسيع الهوة، وإلى استحضار الدروس والعبر، لا إلى إعادة إنتاج الصراعات.

وقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134].

وقال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع»، وهو توجيه عظيم إلى التثبت، وإدراك أن الكلمة قد تبني وقد تهدم.

إن نشر سير العلماء، والمبدعين، وأصحاب الإنجازات، والحديث عن التاريخ بمنهجية علمية متوازنة، أمر محمود ونافع. أما المحتوى الذي يشيع الفاحشة، أو يعمق الانقسام، أو يوقظ الأحقاد، فإنه لا يخدم المجتمع، بل يهدد تماسكه ووحدته.

فلنتقِ الله فيما نكتب، وفيما ننشر، وفيما نشارك. فالكلمة أمانة، وقد تكون سببًا في إصلاح مجتمع، أو في إشعال فتنة، أو في هدم بيت، أو في سفك دم.

اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.


عوض المجعلي

رئيس المركز الاعلامي للدرسات والبحوث المنطقة الوسطى أبين