آخر تحديث :الإثنين-27 يوليو 2026-11:28م

غبار "هرمز" وظلال التهجير: كيف تُعاد رسم خارطة المنطقة على حساب فلسطين؟

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 09:32 م
عوض عميران


في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم ومؤسساته الإعلامية نحو المياه المضطربة في مضيق هرمز وباب المندب، تُطبَقُ على الأرض الممتدة من غزة المكلومة إلى الضفة الغربية والقدس المحتلة استراتيجيةٌ صامتة خلف حجب الدخان؛ استراتيجية تتجاوز حدود العدوان العسكري اليومي لتصل إلى إعادة هندسة جغرافية وديموغرافية شاملة للمنطقة برمتها.

لقد استطاعت أدخنة الأزمات الإقليمية—التي تشترك القوى المتصارعة في تغذيتها على مسرح الخليج والبحر الأحمر—أن تصرف الانتباه الدولي والعربي عن المشهد الأكثر خطورة: المخطط الجاري تنفيذه لهدم المقومات الديموغرافية للوجود الفلسطيني، وتحويل الأنظار عن عملية التفريغ الممنهج للأرض عبر صفقات ومشاريع لا يعيق تنفيذها سوى كلفة التمرير السياسي والاجتماعي.

الضفة الغربية والقدس: استراتيجية اقتلاع صامتة

ففي القدس والضفة الغربية، لا تتوقف آلة الاستيطان، والتجريف، ومصادرة الأراضي الزراعية، ولا تتراجع الاعتداءات اليومية الممنهجة التي تديرها عصابات المستوطنين المسلحة بحماية مباشرة من سلطات الاحتلال. إن المشهد هنا لا يقتصر على مجرد انتهاكات فردية، بل يعبر عن سياسة رسمية تسجل معدلات اعتداءات يومية متصاعدة تصل إلى نحو خمسة اعتداءات يومياً، في حرب إلغاء واستنزاف مستمرة منذ سنوات.

وقد أسفر هذا العدوان المستمر عن سقوط أكثر من 1100 شهيد فلسطيني—بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء—وما يزيد على 10,300 جريح. هذه الأرقام والوقائع الميدانية تؤكد النيات المبيتة لحصر الفلسطينيين في معازل جغرافية ضيقة وجعل الحياة اليومية غير قابلة للاستمرار، بهدف دفع السكان محليين نحو خيار الهجرة والنزوح القسري باتجاه الأردن الشقيق، لإحداث تغيير ديموغرافي جذري يحقق الرؤية التوسعية للاحتلال.

غزة والتجويع الممنهج: التهيئة المبكرة لسيناريو سيناء

أما في قطاع غزة، وخلف شعارات "وقف إطلاق النار" الرمادية والوهمية، تستمر الغارات الجوية اليومية، وتواصل المقابر استقبال الشهداء، في وقت يظل فيه الجوع الممنهج والحصار الخانق هما سيد الموقف. إن ما يشهده القطاع ليس مجرد استمرار لعمليات عسكرية محددة، بل هو تفكيك شامل لجميع مقومات الحياة الإنسانية والخدمية، تهيئةً لفرض واقع نكبة جديدة يصب في اتجاه تفريغ القطاع ودفعه نحو الحدود المصرية في سيناء.

و يرى من يميلون الى هذه الرؤية، ان هذه التطورات لم تكن وليدة اللحظة؛ إذ جرى العمل على تهيئة الظروف الميدانية على الأرض منذ عام 2014 عبر خوض حروب وتجريف للمناطق الحدودية القريبة من رفح المصرية وشريط غزة تحت ذرائع ومبررات مواجهة الجماعات المسلحة وتنظيم "داعش"، مما أدى إلى ترحيل السكان المحليين والقبائل إلى الداخل المصري، وتفريغ المنطقة الحدودية لتمهيد المسرح الميداني لما يُحاك اليوم لغزة وأهلها.

الخطاب الإيراني وتأطير الأولويات: غياب فلسطين وحضور "حزب الله"

وفي قلب هذا المشهد المعقد، يتجلى تناقض صارخ في سلوك الخطاب الإعلامي والسياسي الإيراني؛ فبينما كان الشعار المعلن هو "نصرة القدس وفلسطين"، كشفت الأزمات الميدانية المتلاحقة عن غياب شبه تام وممنهج للوضع الإنساني والسياسي الكارثي في الضفة الغربية والقدس وغزة من أولويات الماكينة الإعلامية والسياسية لصناع القرار في طهران.

وبدلاً من تسليط الضوء على مخططات التهجير القسري والتجريف الديموغرافي في فلسطين، تركز الاهتمام الإيراني بالكامل على صون التوازنات الإقليمية وحماية مكتسبات خطوط نفوذها، وفي مقدمتها وضع "حزب الله" اللبناني وتأمين مظلته السياسية والعسكرية. لقد أُعيد توجيه البوصلة الإعلامية والسياسية نحو المعارك المحسوبة وحسابات الردع الخاصة بالمرتكزات الإقليمية لـ "محور المشاغبه"، ليصبح الدفاع عن أوراق القوة وحلفاء طهران المباشرين هو المحرك الأساسي، بينما تُترك القضية الفلسطينية كخلفية بلاغية يُستدعى اسمها فقط دون خطة مواجهة حقيقية للتهديد الديموغرافي الشامل.

"التشتيت الاستراتيجي" واستنزاف قدرات الإقليم

وفي المقابل، يكتمل مشهد "التشتيت الاستراتيجي" في المنطقة عبر تحركات أدوات الإقليم وشعارات "محور المشاغبه" الإيراني. ففي اليمن، بين عشية وضحاها، يعلن الحوثيون التصعيد في باب المندب واستهداف الملاحة والسفن السعودية والإقليمية، في وقت يعاني فيه الشعب اليمني مجاعة خانقة وسياسات إفقار كان هذا التصعيد وإعاقة سلاسل الإمداد من أبرز عوامل تفاقمها.

إن هذه التحركات—سواء جاءت بعلم بأبعادها الجيوسياسية الناجزة أو بجهل بتبعاتها—تقود المنطقة نحو واقع جديد تُستنزَف فيه الجيوش العربية وموارد الشعوب. وبدلاً من توجيه الإمكانيات لحماية الأمن القومي العربي وصون القضية الفلسطينية، يُصار إلى أدخال المنطقة في صراعات جانبيّة تسهم في إضعاف بنيتها، لتستفيق الأمة على دول بلا جيوش مجتمعية وثقل رادع، بينما يتحول كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى الطرف المهيمن على ترتيبات الإقليم ورسم " الخرائط التلمودية" التي طالما حلمت بها القوى الصهيونية العالمية.

قراءة ما خلف الدخان

إن الخطر الأكبر اليوم لا يكمن فقط في تقاطع المصالح الإقليمية والدولية فوق مياه الممرات المائية والمضايق الاستراتيجية، بل في أن هذا الاستنزاف والمتوالية الحربية قد يستيقظ الإقليم على أثره على واقع صُممت فيه معالم المنطقة وفق رؤية التوسع الاستيطاني.

إن البوصلة التي يجب ألا تضلها الشعوب والقوى الحية تتطلب قراءة دقيقة لما يجري خلف غبار مضيق هرمز وباب المندب؛ فكل تصعيد يُفتعل أو تُغرق فيه المنطقة ليس إلا ستارة تُسدل على جراح الضفة والقدس وغزة، لتمرير أكبر صفقة هدم ديموغرافي وتهجير قسري في التاريخ الحديث وسط صمت عالمي وتشتت إقليمي مُريب.