آخر تحديث :الأحد-11 أكتوبر 2026-02:23ص

تجار الأزمات وشركاء الفشل.. اليمن بين مطرقة الفساد المستشري وسندان المعاناة

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 09:17 ص
عدنان زين خواجه


في وقتٍ يعاني فيه المواطن اليمني الويلات يومياً؛ بين انهيار متواصل للعملة الوطنية، وانقطاع شبه تام للخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، وغلاء يلتهم قوائم الطعام اليومية للأسر، يبرز سؤال ملحٌّ على الساحة الوطنية: إلى متى تستمر هذه الهيكلية الحكومية المترهلة التي تلتهم الأخضر واليابس دون تقديم أدنى خدمة للمواطن؟

إن القراءة الفاحصة لواقع المشهد السيادي والتنفيذي اليوم تكشف عن خلل هيكلي عميق، وتحول في طبيعة السلطة من "أداة لخدمة الشعب" إلى "عبء ثقيل" يُدار من الفنادق وعواصم الشتات.

أولاً: مجلس قيادة رئاسي بعيد عن أرض الواقع

لم يعد سراً أن الأداء الإداري والسياسي للمجلس الرئاسي بات يثير استياءً واسعاً في الشارع اليمني. بين سفريات لا تتوقف، وإقامات ممتدة في الفنادق، وتصريحات رنانة لا تسمن ولا تغني من جوع، تذهب ميزانيات ضخمة بالعملة الصعبة كمرتبات ونفقات تشغيلية لقيادات وطواقم ضخمة، في حين تسير البلاد في الواقع ببركة ودعوات البسطاء.

لقد تحولت بوصلة العمل السياسي لدى الكثير من القيادات إلى تأمين المصالح الشخصية والاستحواذ على الموارد، بدلاً من التواجد الميداني الحقيقي والعمل من داخل الوطن لمواجهة الأزمات وتحسين كفاءة إدارة الدولة.

ثانياً: ترهل وزاري بـ 35 حقيبة.. ترف لا تتحمله دولة مأزومة

من غير المنطقي ولا المقبول اقتصادياً أن تمتلك دولة تمر بظروف حرب وأزمة اقتصادية طاحنة حكومة تتألف من زهاء 35 وزارة. إن مراجعة شاملة لجدوى هذه الوزارات أصبحت ضرورة ملحة؛ فهناك عشرات الحقائب الوزارية الهامشية التي يمكن دمجها أو تحويلها إلى هيئات ومؤسسات صغيرة لتقليص النفقات المالية الباهظة.

* أين هي المخرجات الملموسة؟

إن القائمة الطويلة من الوزارات (من النفط والمالية والكهرباء والصحة، إلى الاتصالات والإعلام وحقوق الإنسان والشباب والرياضة) تطرح سؤالاً حاسماً: هاتوا منجزاً واحداً ملموساً انتقل بالوطن إلى الرقي الاجتماعي أو الاقتصادي أو الخدمي؟

* نزيف الميزانيات: تُنفق المليارات على مكاتب وسيارات وحراسات وطواقم إدارية لوزارات فاشلة في أدائها، بينما يئن الموظف والمعلم والممرض تحت وطأة خط الفقر وانقطاع الرواتب.

ثالثاً: المهزلة الكبرى.. محافظون بلا محافظات!

علّها إحدى أكبر المفارقات الإدارية في التاريخ الحديث: تعيين وسداد ميزانيات ضخمة لمحافظين لا يطأون أراضي المحافظات التي يفترض أنهم يديرونها!

تُصرف مئات الملايين والمليارات شهرياً تحت مسمى موازنات تشغيلية ونفقات لشخصيات تمارس مهامها افتراضياً من خارج حدود جغرافيتها الرسمية. أليس من الأولى توجيه هذه المليارات لدعم القطاعات الإنتاجية، أو تحسين أجور العمال والموظفين الذين يعرقون في الميدان لتسيير عجلة الحياة؟

مخرج لا بد منه: إصلاح جذر يكسر حلقة الهدر

إن الاستمرار في هذا المسار هو استنزاف لمقدرات الوطن وتعميق لمعاناة المواطنين. إن الإصلاح الحقيقي والجاد ينبغي أن يبدأ بـ:

* ضغط وتقليص الحجم الحكومي: دمج الوزارات المتشابهة وإلغاء الحقائب الهامشية لتقليل الهيكل الوزاري إلى النصف على الأقل.

* ضبط الإنفاق بالعملة الصعبة: إنهاء مهزلة صرف المرتبات والنفقات الخيالية بالدولار لقيادات تقيم بالخارج، وإلزام الجميع بالعودة والعمل من داخل الأراضي الوطنية.

* ترشيد الإنفاق على المحافظات المتوقفة: إعادة هيكلة الموازنات المخصصة للمحافظات غير المباشَر العمل فيها ميدانياً، وتحويل تلك الأموال لدعم الخدمات الأساسية المباشرة للمواطنين.

لقد بلغت المعاناة حدّاً لم يعد يحتمل التغاضي؛ والوطن اليوم بحاجة إلى قيادات ميدانية تُقاس كفاءتها بحجم ما تنجزه على أرض الواقع، لا بحجم موازناتها وسفرياتها.