في زياراتي إلى مدن يمني الحبيب، تملكتني غصة ألم وأنا أتجول في عدد من ربوعها الجميلة؛ فمناظرها الخلابة، وحضارتها العربية الأصيلة، وأماكنها السياحية، وأرضها الواسعة، وثرواتها الهائلة، ومواقعها الاستراتيجية، تجعلها وطناً فريداً دون سواه. ولكن ما فطر قلبي حقاً هو حجم المؤامرات التي تُحاك ضده من مختلف القوى السياسية. إن المدن التي تمكنت من زيارتها لم تكن إلا جزءاً يسيراً، بينما أتوق لاستكشاف مدن أخرى أروع وأجمل؛ فكم أنا مشتاق للتعرف على كل شبر من يمني الحبيب.
ومع أن الزيارات كانت متفاوتة ولأغراض مختلفة، إلا أنني وجدت فيها فرصة للاطلاع عن قرب على أهم الأوضاع الأمنية والاقتصادية والتنموية.
إشراقة الوطن من نافذة الاغتراب
قبل زيارتي إلى تلك المدن، كنت في رحلة علاجية قبل سنوات إلى جمهورية مصر العربية، وهناك عشت المعنى الحقيقي للوطن. لقد اشتقت إلى وطني اليمني العزيز، وأيقنت حينها أننا ننتمي إلى أجمل وطن، وأطهر أرض، وأرقى شعب.
وجدت اليمن غنياً بثرواته، جميلاً بمكانته، راقياً بحكمته. ورغم كل ما حدث له من ويلات، فإنه ما زال يحمل في طياته مقومات الرخاء والازدهار.
جغرافية الجمال والصمود
بدأت أولى رحلاتي بعد عودتي من مصر متجهاً نحو مدينة المكلا الساحرة، فشغفت بها وبأهلها، وشعرت وكأننا في مجتمع مختلف ودولة أخرى.
ثم واصلت الرحلة نحو الوديعة والعبر بصحاريها الواسعة وثرواتها الهائلة، مروراً بمدينة سيئون الغالية والمحافظة المسالمة، وصولاً إلى منطقة رماة.
بعدها تنقلت بين ربوع محافظة أبين الأبية الشامخة، ومحافظة شبوة الغالية والجميلة، لتكون تلك من أجمل رحلاتي. أما مستقري الحالي فهو عدن الغالية ذات الطابع السياحي الخلاب؛ ومن لحج الاباء والتاريخ، حيث يطل مضيق باب المندب الشامخ، وخليج عدن الواسع، وسواحل رأس العارة ورأس عمران وأبين وخورمكسر والغدير والمعلا، التي تعد أروع وأجمل المناطق السياحية.
وفي المرتفعات الجبلية، كانت مدينة التربة وجهتي الأولى التي أعشق هواها العليل. وهناك مناطق أخرى لم أتمكن من زيارتها بعد، لكنني أنوي دوماً قصدها، إلى جانب زيارة محافظة الضالع. فكم أعجبت بمدن اليمن، وكم يفيض قلبي حباً لهذه الأرض الأصيلة.
قراءة في أسباب التعثر
من خلال زياراتي المتعددة والقصيرة، أزعم جازماً أن الخلل لم يكن يوماً في الأرض ولا في الشعب، بل في أداء حكومة البلد التي لم تكن عند حسن ظن أبنائها، ولم ترتقِ إلى مستوى المسؤولية في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية، بل حضرت لتكريس الانقسام والتناحر الحزبي على حساب الوطن.
فما عسانا أن نقول عن حكومة خذلت جنودها، وغادرت أرضها، واستعانت بالخارج لمعاقبة شعبها؟ حكومة استغلت عوز أبنائها لتمرير سياسات القتل، والتشريد، والتنكيل، والاحتكار، والتجويع والتركيع.
لم يكن الشعب الصابر، بشطريه، شريكاً في هذه المؤامرات، بل وقع ضحيةً في يد "حكومة فنادق" لا تفقه من القيادة سوى إجراءات الإقامة في الفخامة لساعات ثم المغادرة.
لو كانت هناك حكومة كفاءات حقيقية:
لما تركت الشعب يعاني من أزمة المحروقات وهي دولة مصدرة.
لما تركت الجنود بلا رواتب وهم حماة الأرض والعرض.
لما فرّطت في المواقع الاستراتيجية وهي بحاجة ماسة لتعزيز الدخل القومي.
ولما استغلت عوز الشعب لجمع التبرعات الدولية بينما تتقاعس عن صرف المرتبات أو تغطية نفقات تشغيلية لا تزيد الأعباء إلا تفاقماً.
معالم الأمل وغياب الرؤية
لو توافرت حكومة كفاءات كما يزعم البعض، لأسست ألف خطة لضمان نمو الأرباح، خصوصاً وأن مدننا تزخر بمقومات سياحية هائلة، ولتم بناء جيش قوي ينهي النفوذ القبلي المتخلف ويردع كل مخرب متعجرف.
أمنياً: لوجدت الطرق تخلو من النقاط العسكرية العشوائية التي تُثقل كاهل المواطن بالبطش والجبايات، والتي ربما تُترك عمداً في ظل ضعف الجهاز الرقابي والأمني.
اقتصادياً واجتماعياً: لما عجزت عن ضبط استقرار سعر الصرف بينما يترك التجار يتلاعبون بأسعار السلع بلا رقيب. ولما صمتت عن أزمات انقطاع الكهرباء وتلاعب الوقود في وقت تتسلم فيه الدعم والمعونات المخصصة لمعالجة هذه الأزمات.
إنها حزمة واسعة من الإخفاقات والسلبيات التي رافقت المشهد، وجعلت المواطن يصل إلى مرحلة التشبع من وعود زائفة لا تسمن ولا تغني من جوع.
`كتب ابراهيم العطري في 26يوليو2026م`