إن الترحيب بالقرارات الرئاسية التي تصدر في مختلف مؤسسات الدولة يعد موقفًا وطنيًا يعكس احترام المؤسسات الدستورية، لكنه في الوقت ذاته لا ينبغي أن يقف عند حدود التهنئة والمباركة، بل يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة عنوانها المسؤولية والإنجاز.
فالمنصب العام ليس غاية في حد ذاته، ولا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية أو الحزبية، وإنما هو أمانة وطنية وتكليف ثقيل أمام الله والوطن والشعب. وكل مسؤول يُمنح الثقة ينبغي أن يمتلك رؤية استراتيجية واضحة، وخطة عمل قابلة للتنفيذ، وأهدافًا محددة تقاس بنتائجها على أرض الواقع، لأن المواطن لم يعد ينتظر الشعارات، بل ينتظر الخدمات، والإصلاح، والتنمية، واستعادة هيبة الدولة.
إن المرحلة التي تمر بها بلادنا مرحلة استثنائية بكل المقاييس، وتتطلب رجال دولة يؤمنون بأن الوطن أكبر من الأحزاب، وأسمى من المصالح الضيقة، وأن النجاح الحقيقي يقاس بما يتحقق من إنجازات تخدم المواطنين وتعزز مؤسسات الدولة.
لقد أثبتت التجارب، في نظر كثيرين، أن توزيع المناصب على أساس المحاصصة أو الولاءات الضيقة لا يحقق بالضرورة الإدارة الأكثر كفاءة، وقد يؤدي إلى إبعاد أصحاب الخبرة والاستحقاق، وهو ما ينعكس سلبًا على أداء المؤسسات وثقة المواطنين بها. أما عندما يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على الإنجاز، فإن الدولة تكسب مسؤولين قادرين على صناعة الفارق وتحقيق النتائج.
إن الرؤية الوطنية الاستراتيجية يجب أن تكون وثيقة عمل لكل من يتولى منصبًا عامًا، بحيث يعرف منذ اليوم الأول ماذا يريد أن يحقق، وما هي أولوياته، وكيف سيقيس نجاحه، وما الذي سيتركه من أثر بعد انتهاء فترة مسؤوليته. فالدول لا تنهض بالارتجال، وإنما بالتخطيط والإدارة الرشيدة والمتابعة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن محافظ محافظة أبين، اللواء الركن الدكتور مختار الرباش، يقدم نموذجًا في تحمل المسؤولية والعمل المؤسسي، وهو ما يجعله مثالًا يطمح المواطن إلى أن تتسع دائرته في مختلف مؤسسات الدولة، بحيث يكون معيار النجاح هو خدمة الوطن والمواطن، بعيدًا عن الاعتبارات الضيقة.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى مشروع دولة، لا مشروع تقاسم. بحاجة إلى إدارة وطنية تؤمن بأن المنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا، وأن الولاء الأول يجب أن يكون للوطن والدستور والقانون، لا لأي انتماء آخر.
إننا نبارك كل قرار يصب في مصلحة الوطن، لكننا نؤمن أيضًا بأن نجاح أي قرار لا يتحقق بمجرد صدوره، وإنما بما يقدمه المسؤول من عمل وإنجاز ونزاهة وإخلاص. فالتاريخ لا يتذكر عدد المناصب التي تقلدها المسؤولون، بل يتذكر ما صنعوه لأوطانهم، وما تركوه من أثر في حياة الناس.
فليكن معيار المرحلة القادمة هو الكفاءة، وليكن عنوانها المسؤولية، ولتكن بوصلتها بناء دولة المؤسسات والقانون، لأن الوطن يستحق الأفضل، ولأن الأجيال القادمة تستحق أن ترث دولة قوية وعادلة، لا دولة أنهكتها المحاصصات وأضعفتها الحسابات الضيقة.