تظلّ مدينة عدن، «لؤلؤة الجنوب» و«ثغرها الباسم»، واحدة من أندر الجواهر الجغرافية والاقتصادية على مستوى المنطقة والعالم. غير أن القراءة الدقيقة لمسارها التاريخي والتنموي تظهر واقعاً مؤلماً؛ إذ تعاقبت عليها إدارات وسلطات تعاملت مع هذا الشريان الحيوي بعقلية العبث ونهب الثروات، دون إدراك حقيقي للموقع الاستراتيجي والقيمة المضافة التي تشكلها هذه المدينة لمحيطها الإقليمي والدولي.
1. سواحل عدن: ثروة سياحية مهدورة خلف صفقات الفساد
تتمتع عدن بشريط ساحلي فريد يمتد من منطقتي «محطة العاقل» و«ساحل ميركيور» وصولاً إلى «ساحل أبين»، حيث المياه النقية والرمال الناعمة الخالية من العوائق. هذه الطبيعة الخلابة كان مقدراً لها أن تكون مقصداً لفنادق الخمس نجوم ولأعتى الشركات الفندقية والسياحية العالمية.
لكن المشهد الراهن يعكس تجريفاً مروعاً؛ حيث غاب المستثمر المحلي نتيجة انعدام البيئة الآمنة، واستُبدلت المشاريع التنموية بتحويل السواحل والشواطئ إلى أراضٍ سكنية ومقاسم شخصية. إن صرف هذه المساحات السياحية لصالح نفوذ ضيق يُعد جريمة بحق المستقبل الاقتصادي، ويتطلب محاكمة فورية لكل من شرّع أو أمر بالتصرف في أصول الدولة والشعب.
2. المنطقة الحرة والميناء: الاغتيال الممنهج لمركز التجارة
لم يتوقف التعدي عند السواحل السياحية، بل امتدت يد النهب إلى أراضي ومساحات ميناء عدن والمنطقة الحرة، والتي شُيّدت حولها عصابات الفساد ثروات طائلة على حساب تعطيل حركة الملاحة والتنمية. ميناء عدن الذي يقع على خطوط الملاحة الدولية قُيِّد عمداً لتفويت فرص شحن «الترانزيت» والاستفادة من موقعه الاستثنائي.
3. الشرايين الأربعة لإعادة بعث الجوهرة
إن النهوض بعدن وجعلها مركزاً اقتصادياً عالمياً ليس مجرد حلم مستحيل، بل يتطلب رؤية شجاعة تعتمد على تحريك أربعة شرايين رئيسية:
* توسعة الميناء والمنطقة الحرة: إعادة بناء البنية التحتية، وجذب شركات الملاحة العالمية، واستعادة دور عدن كمحطة ترانزيت رئيسية.
* السياحة الفندقية الاستثمارية: سحب الأراضي المنهوبة وإعادتها لملكية الدولة، وطرح السواحل للاستثمار العالمي لبناء فنادق ومنتچعات راقية.
* إعادة تشغيل مصافي عدن: إحياء هذا الشريان الصناعي لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي وتوفير المشتقات النفطية للأسواق المحلية والإقليمية.
* الربط الاستراتيجي وجذب الصناعات: تنفيذ مشاريع طموحة لربط عدن بالقرن الأفريقي لتكون بوابة دول الجوار، واستقطاب الشركات العالمية (مثل الاستثمارات الصينية) لبناء مناطق صناعية وتصديرية على أراضي الدولة.
4. أزمة "غياب الدولة" ونهب العقار
الواقع الميداني يشير إلى أن نهب الأراضي تجاوز حدود مدينة عدن ليمتد إلى محافظات المحيط مثل لحج وأبين، حتى أصبحت الدولة اليوم -في ظاهرة خطيرة- لا تملك أمتاراً كافية لإقامة مشاريع استراتيجية استثمارية. لقد فرضت جهات نافذة حالة من التعطيل الممنهج للحياة الاقتصادية، محولةً المقومات الوطنية إلى غنائم شخصية تُباع بأرخص الأثمان.
خاتمة: في انتظار "مهاتير" عدن!
يتساءل الشارع اليوم: هل تنجب هذه الأرض حاكماً يحمل رؤية استراتيجية شجاعة -على غرار التجربة الملاوية للرئيس مهاتير محمد- ليصنع من عدن أكبر مركز تجاري واستثماري في المنطقة؟ أم سيستمر ارتهان المدينة لأدوات رخيصة تتاجر بأحلام شعب صابر، وتفرّط بمقدرات الوطن لقاء مصالح ضيقة؟
إن عدن لا تحتاج إلى مسكنات، بل إلى رجال دولة وتخطيط استراتيجي صارم يستعيد هيبة القانون، ويقطع يد العبث، ليُعيد للؤلؤة الجنوب بريقها الذي استُلب منها عقوداً طويلة.