آخر تحديث :الجمعة-24 يوليو 2026-11:24م

الإعلام المسموم وجمهور الوهم

الجمعة - 24 يوليو 2026 - الساعة 09:32 م
عيدروس المدوري


في زمن الضجيج الرقمي لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الحقيقة أو مناقشة الأفكار بل تحول لدى البعض إلى منصة لبيع المخدر اللذيذ وصناعة البطولات الزائفة الأزمة لم تعد في وجود إعلاميين يمارسون التضليل فهؤلاء موجودون في كل عصر بل الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يصل الإعلامي إلى مرحلة الخطورة المطبقة وهي أن يصدق كذبته الخاصة ويتوهم أنه مرشد الأمة المخلّص .

إذا حفرنا عميقاً خلف قناع هذا النوع من الإعلاميين سنجد أن أصل الداء في كثير من الأحيان لا يرتبط بالجهل وحده بل بـ حسرة المصالح الضائعة أغلب هؤلاء هم ممن ذاقوا طعم النفوذ والمكاسب في فترة ما ثم دارت الأيام وفقدوا حظوتهم وتراجعت مكانتهم بدلاً من المراجعة الذاتية والتنحي بشرف يرفض الإعلامي المستفيد سابقاً الاعتراف بالهامش فيلجأ إلى الكذب والتضليل كـ طوق نجاة يحاول به استعادة ما ذهب .

إعادة تدوير الذات يفتعل المعارك وينسج الأكاذيب ليصنع لنفسه مكاناً في الضوء مجدداً .

إيهام النفس بالقيمة يريد أن يعوض مرارة التهميش فيوهم نفسه بأنه لا يزال مهماً وذا قيمة لدى الشعب وأن الناس ينتظرون توجيهاته بفارغ الصبر .

تصفية الحسابات يتحول خطابه إلى انتقام مستتر من الواقع الذي حرمه من امتيازاته السابقة .

إن أشد أنواع الدجل خطورة هو ذلك الذي يمتزج برغبة حميمة في استعادة عرش مفقود حيث تتحول الأكاذيب إلى وقود لاستعادة المجد الضائع ولو على جثث الحقائق .

تبدأ القصة برغبة محشورة في استعادة الأضواء يدرك هذا الإعلامي أن العودة عبر الحقائق الملموسة والتحليل الموضوعي يتطلب جهداً ووقتًا وقد لا يعيد له الامتيازات القديمة بسرعة بينما بيع الوهم هو البضاعة الأكثر ربحاً والأسرع انتشاراً .

يتغذى على أمنيات الناس المعطلة وشغفهم بالحلول السحرية فيصنع لهم أعداءً وهميين وينسج بطولات لا وجود لها ومع مرور الوقت وتكرار الرواية المزيفة يحدث التحول الخطر تتلاشى الحدود في عقله بين حقيقة موقعه الحالي الوضيع وبين الوهم الذي يبيعه للجماهير .

القطيع المخدر الوقود الذي يغذي الوهم لا يستطيع تجّار الوهم الاستمرار يومًا واحدًا لولا وجود أرضية خصبة من المتابعين والسرابيين حين يلتف حول الإعلامي آلاف المخدرين الذين يلغون عقولهم ويتتبعون سقطاته بالتهليل فإن هذا التصفيق الحاد يتحول إلى مخدر يجعله يستشعر قيمة وهمية لم تعد موجودة في الواقع مهما تم تصويرها .

إلغاء التفكير النقدي يتحول المتابع من مستهلك واعي للخبر إلى مريد يصفق لحسرة الإعلامي ونرجسيته .

تغذية الغرور عندما يرى الإعلامي ألوف المشاركات المؤيدة يشعر بعصمة وهمية تجعله يصدق أن الشعب بالفعل يناديه ويعول عليه بينما هو في الحقيقة مجرد ظاهرة صوتية تعيش على أطلال الماضي .

الفاتورة الباهظة تزييف الوعي الجمعي إن تسيد هؤلاء الإعلاميين الباحثين عن منافعهم القديمة للمشهد ليس مجرد حالة فردية بل هو سوس ينخر في عظام المجتمع :

1. تسطيح العقول تُغيب القضايا الحقيقية ويستبدل التحليل الموضوعي بالصراخ والانفعال وتصفية الحسابات الشخصية .

2. صناعة البطولات الزائفة إيهام الناس بأشخاص انتهت صلاحيتهم الوطنية والمهنية وإعادة تقديمهم كمنقذين .

3. انهيار الثقة تضيع أصوات الصادقين والمتخصصين وسط ضجيج الباعة المتجولين للوهم والمستمتعين بالتصفيق الكاذب .

إن الاستفاقة من هذا المخدر الجماعي تبدأ من الفرد نفسه بامتلاك المصفاة النقدية والتوقف عن معاملة هؤلاء كـ أنبياء الجيل وإدراك أن كثيراً ممن يصرخون على الشاشات والمنصات لا يبكون على قضايا الشعوب بل يبكون على مصالحهم الضائعة ومكانتهم التي تلاشت .

سيبقى بائع الوهم يمارس طقوسه ويتغذى على تصفيق المخدرين ليقنع نفسه بأنه مهم حتى يقرر الجمهور أن يفتح عينيه على الحقيقة وحينها فقط سيكتشف ذلك الإعلامي أنه لم يكن سوى خيال مآتة يبكي على زمنه الغابر .